عاجل

البث المباشر

عبد الله ناصر العتيبي

شاعر وصحافي سعودي، حاصل على بكالوريوس في هندسة بترول، له كتاب مطبوع «على حدة» صدر عن دار الصحافة

شاعر وصحافي سعودي، حاصل على بكالوريوس في هندسة بترول، له كتاب مطبوع «على حدة» صدر عن دار الصحافة

التباعد السياسي

برغم أن العالم ما زال يحاول إيجاد الحلول للتغلب على جائحة كورونا، والخروج من دائرتها بأقل الخسائر، إلا أن التفكير في «عالم ما بعد كورونا» هو الشغل الشاغل لجميع من يسكن الأرض. الجميع تقريباً. سكان الدول الغنية، وسكان الدول الفقيرة. مواطنو الدول ذات الحكومات الاستبدادية، ومواطنو الدول الديمقراطية. أهل السياسة وأهل الاقتصاد. رجال الدين ومنظرو علم الاجتماع. الجميع تقريباً يفكرون ويتساءلون: كيف سيكون شكل هذا العالم الجديد الذي سيرخي سدوله على «الكوكب الأزرق» بعد أشهر قليلة.
إثر نتائج الحرب العالمية الثانية، تشكلت تحالفات سياسية، ونشات مناطق اقتصادية، وتكونت شبكات اجتماعية، في مناطق مختلفة من العالم. انتهت بعد الحرب مرحلة زمنية سابقة بكل ما تحمله من متعلقات تاريخية، وبدأت مرحلة زمنية جديدة. هكذا يتغير العالم بعد كل حرب كبيرة! لكن وكما يعلمنا التاريخ أيضاً، فإن التغيير السريع الذي يحدث بعد الحروب، يبدأ شيئاً فشيئاً في التآكل والاضمحلال، ليحل محله «واقع انتهازي» يجيء عادة من الأبواب الخلفية، ويستمر لفترات طويلة.
خرجت اليابان وإيطاليا وألمانيا من السباق، وتولى حلف المنتصرين التحكم في عجلة القيادة. ثم عاد العالم من جديد ليعيد تشكيل نفسه في معسكرين متنازعين، قبل أن يقع أخيراً في شبكة تجاذبات أربع مجموعات من القوى (أميركا والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي)، ما شكل حالة من «ركود التعود»، أسهمت بدورها في تعطيل محركات السياسة والاقتصاد. أميركا أصبحت تلّوح وحيدة بعصاها وجزرتها ولا من مستجيب. وروسيا تتمدد على خريطة العالم. والصين تعاني من ازدواجية «انفتاحها الليبرالي على العالم وقبضتها القوية في الداخل». وأوروبا العجوز تسقط شيئاً فشيئاً في بئر مواردها المحدودة.
كان العالم يحتاج إلى من يهز كتفيه! كان يحتاج إلى من يخرجه من واقعه الانتهازي! كان يحتاج إلى من ينقذه من التشوه الذي خلفته «تجاذبات القوى المريضة».
كانت بداية التغيير من «بريكست»، فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون له أكبر الأثر في اختلال العلاقة الألمانية الفرنسية في المستقبل ومن ثم تهاوي الاتحاد الأوروبي، إذ أن لندن تمثل «رمانة التوازن» في علاقة باريس ببرلين. رمانة توازن نفسية ربما، لكنها كانت مهمة في بقاء أوروبا واقفة في زمن «الواقع الانتهازي». بريكست كانت ستغير العالم، لكن ذلك كان سيحتاج إلى سنين طويلة.
كان العالم يحتاج لمن يهز كتفيه بسرعه. بريكست لن تفعل ذلك في الحال. «كورونا» من سيفعل! جاءت «الحرب الجديدة» بكل ما تحمله من تغيير. جاءت لتدعو للتباعد الجسدي بين الناس، والتباعد السياسي بين الدول. جاءت لتقول لأوروبا إن عليك التخلص من الاتحاد الأوروبي الذي كان يأخذك للقاع. عليك أن تنهضي مجدداً بعيداً عن مظلة «الدولة الأوروبية الواحدة»، التي كانت عالقة في العلاقة المرتبكة بين روسيا وأميركا. على دولك أن تذهب إلى البعيد منفردة، وتبني تحالفاتها مع دول العالم الثالث، لتتمكن من تعويض الخسائر المتدرجة التي منيت بها على مدى سبعين عاماً مذ تركت مستعمراتها ومواردها الطبيعية خارج حدود القارة العجوز. ستتغير أوروبا. وإذا تغيرت أوروبا سيتغير العالم. كل ما علينا هو الانتظار.

نقلا عن الاتحاد

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات