عاجل

البث المباشر

الحريات الدينية في العالم العربي: تراث أصيل أم مفهوم طارئ؟

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الثامنة عشرة على حق كل إنسان في حرية الاعتقاد والفكر والضمير والعبادة، وعلى تحريم جميع أشكال التمييز والاضطهاد على أسس دينية. ويعتبر كثير من الفلاسفة والمفكرين هذا الحق أباً لكل الحقوق الإنسانية، إذ بدونه لا يمكن أبداً ضمان العدالة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية.

كما يعتبر هذا الحق من أهم المؤشرات، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، على مدى ديمقراطية وعدالة أي مجتمع أو نظام حكم. ولكن للأسف الشديد، فإن هذا الحق هو أكثر الحقوق انتهاكاً من بين كل الحقوق الإنسانية الأخرى الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويعتبر انتهاك هذا الحق سببا رئيسياً لكثير من الصراعات والأزمات في أنحاء مختلفة من العالم، ولا يقتصر هذا على عصرنا الحالي بل هو قضية قديمة قدم الإنسان على هذه الأرض.

وفي وقت تتصاعد فيه النزعات القومية والسياسات التي تركز على الهويات الثقافية والدينية، يبدو أننا نتجه إلى نظام عالمي جديد يختلف عن ذاك الذي نشأ في أعقاب سقوط الشيوعية وانتهاء حقبة الحرب الباردة. ولفهم هذه التغيرات فإنه من الضروري أخذ الدور الذي يلعبه الدين في الحياة العامة في العالم العربي بالحسبان ومحاولة مواءمة هذا الدور وتوظيفه بشكل إيجابي ليلعب الدين دوراً مشجعاً على الفضيلة والعدالة ودافعاً للديمقراطية والحكم الرشيد. وهذا يتطلب تضافر جهود السياسيين والمفكرين العرب لتطوير نماذج تتوافق مع تراث المنطقة وثقافتها وتجنبها الأخطاء التي وقعت بها النخب الغربية سواء كانت ليبرالية أو ماركسية أو علمانية عندما اعتبرت الدين عاملاً هامشيا وحاولت عزله أو تجاهله وإنكار أهميته مما تسبب في سلسلة من الكوارث مثل حروب البلقان وفشل سياسات الهجرة والاندماج وصولاً إلى الصعود السريع للنزعات القومية المستجدة.

لقد خرج العالم العربي منهكا ومتخلفا بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية يحدوه الأمل بإنشاء دولة حديثة تلحق بركب الحضارة الإنسانية ولكنه سرعان ما وقع فريسة اتفاقية سايكس بيكو التي زادته انقساما وإنهاكا وأسست للصراع العربي الإسرائيلي الذي أعطى ذريعة لقيام تيارات سياسية تبنت مبادئ الفاشية القومية والدينية وأنظمة حكم فاسدة ومستبدة وظفت الطائفية والعنصرية للاستمرار في السلطة مما قاد بلدانا عربية عدة مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان إلى كوارث لن تنتهي آثارها قبل مرور زمن طويل.

تدل الأبحاث المتخصصة في هذا المجال على أن معدل العدوانية ذات الدوافع الدينية في المنطقة العربية (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) أعلى بأربع مرات من المعدل العالمي، وأن ست دول شرق أوسطية هي: إسرائيل/السلطة الفلسطينية، العراق، سوريا واليمن تعاني من معدلات عالية جداً من العنف الديني والطائفي. كما أدت الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط وكلها صراعات يلعب فيها الدين دوراً بارزاً، بما في ذلك الصراع العربي الإسرائيلي، أدت إلى تشريد ما يزيد عن عشرين مليون إنسان. تدفعنا هذه المعطيات المؤسفة للاعتقاد بحاجة المنطقة العربية إلى إجراء مراجعات عاجلة لأنظمتها وقوانينها وإصلاحها بشكل جذري وإلغاء كافة أشكال التمييز الديني والسياسات الطائفية ودعم مشاريع التحديث الديمقراطي ونشر وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان والمساواة، إن إزالة كافة أشكال الظلم وإحقاق العدالة هي الطريق الأمثل لحل النزاعات والتوصل إلى سلام مستدام.

إن مفهوم التعددية الثقافية والحريات الدينية ليس مفهوماً طارئاً في العالم العربي، يحفل التراث العربي، قديمه وحديثه، قبل الإسلام وبعده، على تقاليد وأمثلة كثيرة يمكن استلهامها وإعادة إحيائها وتطويرها بدلاً من استيراد نماذج أخرى قد تضر أكثر مما تنفع. فمن التنوع الديني الغني في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام إلى وثيقة المدينة المنورة وبعض الفترات الذهبية في العهدين الأموي والعباسي وصولاً إلى العهد الأندلسي، يزخر تاريخ المنطقة بتجارب إيجابية ساهمت في إغناء الحضارة الإنسانية جمعاء، دون أن نغفل التجارب المريرة التي مازالت شعوب المنطقة تدفع ثمن بعضها حتى الآن، هذه التجارب ينبغي تحليلها ودراستها دراسة نقدية للاستفادة من دروسها، ومن المثير للاهتمام أن الفترات التي شهدت أعظم المساهمات الحضارية العربية هي تلك الفترات التي تميزت بدرجة عالية من قبول واحترام التنوع والتعدد الثقافي والديني مما يؤيد ما نذهب إليه في هذا المقال القصير ويعزز الخلاصة التي توصلنا إليها وهي أن العالم العربي يختزن تقاليد جميلة يمكن لها أن ترفد الحضارة الإنسانية وتزيدها جمالاً في حال توفرت الأطر القانونية والأنظمة التي تسمح بإطلاق هذه الطاقات الكامنة.

ورغم قتامة المشهد الحالي فإن هناك مبادرات ومؤشرات إيجابية تصدر من بلدان عربية عدة تحمل معها الأمل بغد أفضل، فمن المغرب إلى تونس إلى مصر والأردن وكردستان، ومن السعودية والإمارات وعمان تأتي أخبار مشجعة عن إصلاحات تهدف لتوسيع مساحة التنوع الثقافي والديني ومكافحة التطرف والتحريض. لقد أرسلت الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس رابطة العالم الإسلامي في شهر كانون الثاني الماضي لمعتقل أوشيفتز النازي رسالة مؤثرة للعالم عن مشاعر التعاطف والإخاء الإنساني الكامنة في الثقافة العربية، مشاعر أصيلة تم كبتها وقمعها وتغييبها لصالح خطاب موتور قومياً ودينياً اختطف الساحة العربية وأرهبها لعهود طويلة، ولا يسعنا في هذا السياق إلا أن نذكر ونثني على مبادرات أخرى كإعلان الرباط لحقوق الإنسان وجهود الأزهر في مقاومة خطاب التطرف وتفكيكه. جهود مازالت في بداياتها ربما ولكنها تحمل رمزية كبيرة ولا يمكننا إلا الثناء عليها وتشجيعها فالطريق مازال طويلاً وشاقا وكما يقول المثل الإنجليزي: طريق الألف ميل تبدأ بخطوة، المهم أن تكون هذه الخطوة في الاتجاه الصحيح مهما كانت صغيرة.

**مقال مشترك من تأليف:

د. يان فيجل، مفوض ومبعوث خاص سابق للاتحاد الأوروبي
د. كاتازا غوندوي، مديرة قسم الأبحاث في المنظمة الدولية لدراسات حقوق الإنسان والحريات الدينية
د. وائل العجي، سكرتير رابطة المحافظين الشرق أوسطيين

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات