عاجل

البث المباشر

خصوصيات معلنة

إن عزوف كثير من منتسبي الدعوة والوعظ عن ملامسة حاجة الشباب من النصح في هذا الباب والاكتفاء بالمنع أفقد كثيراً من الناس التفريق بين ما يُسمح بنشره ومشاركته وبين ما يُمنع؛ لكونه إما من خصوصيات الفرد المسلم والأسرة المسلمة أو من العبادات التي يحب الله إخفاءها..
إن تكلمنا عن الإخلاص في العبادة سنحتاج إلى أسلوب خاص في الخطاب قد لا نحسن صياغته كما صاغه السلف -رحمهم الله- في كتبهم ومؤلفاتهم، إذ إنهم قد اهتموا بأسرار القلوب اهتمامًا كبيرًا، وأفردوا لذلك كتبًا ومجلدات ورسائل ومنظومات وشروحات، وليس ذلك إلا لمكانة الإخلاص في الأعمال الصالحة، وحاجتنا للحديث عنه في هذه الأسطر لا تقل عن حاجة المسلم لمعرفة الإخلاص في كل زمان ومكان، إلا أننا في هذا العصر أشد حاجة لمعرفة تفاصيله وشرح ما يصادمه، ولعلنا نسمع كثيرًا وكثيرًا في هذا الموضوع خصوصًا نصائح وإرشادات ومواعظ من هنا وهناك، غير أننا نجد حياتنا العصرية بحاجة إلى التوجيه الأكثر قربًا من واقعنا الرقمي الذي هيّأَ لكل أحد أن ينشر عن نفسه كل صغيرة وكبيرة وكل همس ونفس، وأصبحت لدى كثير من الناس هواية "الظهور" لمعنى الظهور لا غير، ولن نتناول هنا ضرورة الإنسان لحياة خاصة، فهناك من الأشياء يفعلها المسلم في محيط أسرته يرى في بثها انتهاكًا لخصوصيته، كما أن هناك أشياء أخص ربما يرى اطلاع محيطه الأسري عليها انتهاكًا أيضًا، وذلك مثلًا مزاح الرجل مع زوجته والزوجة مع زوجها، وفي المقابل أيضًا هناك ما هو أخص قد يخفيه الرجل عن زوجته فلا يحب أن تراه وتعلم به، ولا الزوجة في أحوال تحب أن يراها عليها زوجها، وفي الحديث نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفاجئ المسافر زوجته برجوعه دون إخبارها وإعطائها الوقت للخروج من حالها التي لا ترغب "مشاركته" الآخرين، فلن نناقش هذا كله لحاجتنا لمساحة كافية للأخذ والرد والنقاش، فقد اخترقت السوشل ميديا كل خصوصيات الفرد، فما تحرز عنه أحدنا عن قرب، لن يستطيع التحرز منه في سائر يومه مع الغريب والصديق وفي كل مكان، حتى صار بعض الأفراد لا يدرون ما معنى "خصوصيات الآخرين"!
ولكن هناك شيء لا بد من التنبيه عليه والذود عنه من "سيلفي الهواة" ذلك هو إخفاء العمل الصالح غير المفروض -قدر الإمكان- وهو الأصل في الأعمال الصالحة، وفي الحديث: "إن الله عز وجل يحب العبد التقي الغني الخفي" وأصله في التنزيل "إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم"، ولا يخفى هنا قول المفسرين إن الإظهار هنا هو ما اقترن بنية إرادة المتصدق أن يقتدي به غيره، وهي "لطيفة" لا توجد في كثير من الأعمال التي نبثها وننشرها وحقها الخفاء وعدم الإظهار، من صيام نفلٍ وصلاة نافلة وصدقة وأذكار وغير ذلك كثير، حاشا ما عرف عن السلف الاجتماع له وإظهاره من النوافل كصلاة التراويح في المسجد، فلم ينقل عنهم إظهار عباداتهم كصيام وصلاة ليل وأذكار ونحوها، وما جاء من أدلة وآثار في التخويف والتحذير من الرياء تقتضي منع التحدث وبث ما يتعبد الإنسان به ربه من العبادات الخاصة التي خوطب بها كل مسلم ونيط فعلها بنشاطه وقدرته على مداومة فعله فيها "فإن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل".
إن عزوف كثير من منتسبي الدعوة والوعظ عن ملامسة حاجة الشباب من النصح في هذا الباب والاكتفاء بالمنع وهو كما يقال "مطية العجز" عن إبداع أبوابٍ مباحة تشبع غرائز كثير من الشباب في حب إظهار ما عنده، ونظرته لأفعاله وللسيلفي الذي يكرره في اليوم عشرات المرات على أنه إبداع؛ إن هذا العزوف أفقد كثيراً من الناس التفريق بين ما يسمح بنشره ومشاركته وبين ما يمنع لكونه إما من خصوصيات الفرد المسلم والأسرة المسلمة أو من العبادات التي يحب الله إخفاءها، لكون حب إظهارها لمجرد الإظهار يخشى أن يكون هو الرياء ذاته. هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات