عاجل

البث المباشر

عبد المنعم سعيد

كاتب ومفكر مصري

كاتب ومفكر مصري

ماذا حدث للولايات المتحدة الأمريكية؟

فى زياراتى الأولى للقاهرة أثناء فترة الدراسات العليا فى الولايات المتحدة، ذهبت إلى أستاذى الدكتور بطرس غالى لكى أستشيره فى موضوع رسالتى للدكتوراه. كنت وقتها قد استقررت على موضوع القرار المصرى فى حرب أكتوبر ١٩٧٣.

كانت مشاركتى فى الحرب لا تزال قريبة، وكنت قد قمت بالفعل باستغلال إحدى المواد التى أدرسها فى إعداد المشروع الخاص بالرسالة. عرضت الموضوع والمشروع على أستاذى، فكان رده «إننا لم نرسلك إلى الولايات المتحدة لكى تعد موضوعًا عن مصر؛ هذه سوف تظل موضوعك الدراسى إلى الأبد، ولكن الآن عليك أن تستغل الفرصة لكى تدرس الولايات المتحدة».

أصبح المشروع هو «الولايات المتحدة وحرب الشرق الأوسط فى أكتوبر ١٩٧٣». القرار المصرى بات مبحثًا من مباحث الرسالة، ولكن دراسة الولايات المتحدة ومحاولة فهمها تاريخيا واقتصاديا وكيفية اتخاذ القرار فيها، بات أحد الاهتمامات الأكاديمية عبر سنوات نصف قرن تقريبا من العلاقة التى امتدت من الدراسة إلى البحث إلى «الأكاديميا»، ومؤخرا إلى الصحة أيضا.

ورغم تاريخ الولايات المتحدة القصير، فإن دراستها كانت دائما مثيرة، سواء فى سنوات الدولة الأولى التى تلامست تاريخيا مع بداية التحديث فى مصر فى ١٨٠٥؛ أو فيما بعد عندما حدثت الحرب الأهلية الأمريكية وما تلاها من أحداث استمرت حتى أصبحت أمريكا قوة عظمى نعم، ولكنها فى نفس الوقت عرفت «المكارثية»، وأشكالًا مختلفة من الانطلاق والتراجع، والمنافسة والتفوق فى جانب، والانعزال والانكفاء فى جانب آخر. آخر جولات المقاربة مع الدولة العظمى الوحيدة كانت لعام كامل ٢٠١٦ الذى شهدت فيه مولد الحالة الحالية لإدارة الرئيس دونالد ترامب عندما فاز فى موقعة تاريخية على «هيلارى كلينتون»، فى مفاجأة هزت النظام السياسى الأمريكى ولا تزال تفعل حتى الآن.

فى السنة الرابعة الحالية للرئيس ترامب، فإن التاريخ فرض عليه ليس فقط أن يواجه الانتخابات الخاصة بفترته الثانية فى نوفمبر القادم، وإنما أن يواجه الأزمة القاسية للكورونا أو «كوفيد -١٩» فى مطلع العام ٢٠٢٠ التى عندها بدأ الحديث كثيرا عن مستقبل العالم وموقع الولايات المتحدة فيه. دورية «السياسة الخارجية» الأمريكية حاولت التوصل إلى أبعاد هذا المستقبل من خلال استطلاع رأى ١٢ من المفكرين والمحللين الذين تناولوا الموضوع من زوايا مختلفة، من بينها حالة الولايات المتحدة بعد الأزمة. «كيشور محبوبانى»- الدبلوماسى والأكاديمى السنغافورى- كتب «عولمة أكثر تتمحور حول الصين» بأن جائحة «كوفيد-١٩» سوف تتكفل بالانتقال من العولمة التى تتمحور حول الولايات المتحدة إلى العولمة التى تتمحور حول الصين. «جوزيف ناى»- أستاذ العلاقات الدولية الأشهر فى جامعة هارفارد- ركز على أن «القوة الأمريكية تحتاج استراتيجية جديدة»، نقطة البداية فيها هى أنه حتى لو سادت الولايات المتحدة كقوة عظمى، فإنها لا تستطيع حماية أمنها من خلال التصرف بمفردها. «كورى شاك»- نائبة المدير العام للمعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية فى لندن- وجدت معضلة الأزمة فى «فشل الولايات المتحدة فى اختبار القيادة»، فلن يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها زعيم دولى بعد الآن، ولن يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها رائدة دولية بسبب المصلحة الذاتية الضيقة لحكومتها وعدم الكفاءة الفادحة: «لقد فشلت واشنطن فى اختبار القيادة، والعالم بات أسوأ حالًا». مثل هذه التقييمات ليست جديدة على الساحة الأمريكية، وعندما تعدت الإصابات الأمريكية ثلث الإصابات فى العالم، والوفيات ٦٠ ألفًا، أى ما زاد على ضحايا كل من حروب أمريكا فى العراق وأفغانستان وحتى فيتنام؛ فإن رد الفعل الأمريكى، أى من أمريكيين على الساحة السياسية وأكاديميين وباحثين، كان التساؤل أحيانا حول مدى فاعلية القيادة الحالية، وأحيانا أخرى التساؤل عما إذا كانت المعضلة ليست فى القيادة وإنما فى قضايا هيكلية فى الحالة الأمريكية عامة.

مثل هذه الآراء فيها الكثير من التطرف، وبعضها يقع داخل الانقسام السياسى بين المعسكرين الديمقراطى والجمهورى، وبعضها يرجع إلى استقطاب فكرى بين محافظين يرون أن الولايات المتحدة لا تحتاج العالم والأفضل لها أن تبتعد عنه؛ والتقدميين الذين يرون أن هناك قدرا أمريكيا ليبراليا لقيادة العالم لا يمكن التخلى عنه. وبعضها الثالث يدور حول تقدير القوة الأمريكية ليس فقط الصلبة المكونة من قوتها العسكرية وناتجها القومى الإجمالى وإنما الناعمة أيضا بما فيها من لغة عالمية وسينما. نتيجة الانتخابات القادمة سوف تتحكم فيها ليس فقط آراء الكُتاب والباحثين، وإنما أيضا تلك القاعدة الأساسية التى أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض، والتى سوف تسعى لكى يمكث فيه لأربع سنوات أخرى.

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات