عاجل

البث المباشر

ما زال العراقيون يتذكرون «كوكوش»

في عام 1977 حين تحسنت العلاقات بين العراق وإيران في زمن الشاه محمد رضا بهلوي، أرسلت طهران إلى بغداد، تعبيراً عن رغبتها في الانفتاح بين البلدين، المطربة الإيرانية الشهيرة كوكوش. ولقيت النجمة ترحيباً واسعاً في بغداد وقدمت في التلفزيون العراقي مجموعة من أغانيها الشائعة، ثم غنت أغنية «بنت الشلبية» للموسيقار المصري سيد درويش، والتي غنتها أيضاً جارة القمر فيروز. وبعد عام 2003 أراد نظام الملالي في إيران أن «يعزز» العلاقات مع بغداد فأرسل «تشكيلة» من الميليشيات الموالية لولي الفقيه التي ترتبط بـ«فيلق القدس» لتزرع الفتنة الطائفية الدامية.
مهما تطورت الأحداث والحركات المضادة لإيران في العراق فإن طهران لن تغامر ولن تخاطر بزج الجيش الإيراني أو «الحرس الثوري» بشكل مباشر في قمع المظاهرات والاحتجاجات، وحتى الثورة، ضد النظام الفاسد في المنطقة الخضراء. فالنظام الإيراني الذي عانى من ويلات الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينات من القرن الماضي، أدرك متأخراً أن جيشه النظامي غير مؤهل لأي حرب طويلة أو قصيرة، لسببين رئيسيين مترابطين هما عدم جاهزيته القتالية بشكل متعمد خشية انقلابه على النظام الإيراني نفسه، والسبب الثاني هو أنه حتى لو استطاع الجيش الإيراني احتلال بعض النقاط الحدودية في هضاب وجبال العراق ودخول بعض قواته البرية أو الجوية إلى المدن العراقية فإنها لن تستطيع الصمود طويلاً أمام المقاومة العراقية سواء في المحافظات الوسطى أو الجنوبية أو حتى الكردية.
وما يقال عن الجيش النظامي، يقال أيضاً عن «الحرس الثوري» المسلح جيداً وصاحب التجربة العملية في حرب السنوات الثماني التي خسرها في النهاية.
كان ممكناً، ومحتملاً، أن «يتدخل» الحرس الثوري بإشارة من إصبع الجنرال قاسم سليماني قبل مصرعه لإنهاء «ثورة تشرين» السلمية في العراق التي تَصَدَّرها شباب الشيعة وضحوا بأكثر من 700 قتيل وآلاف الجرحى والمعتقلين الذين سقطوا تحت نيران الرصاص الحي من أسلحة القوات الأمنية العراقية والميليشيات المدعومة من إيران نهاراً جهاراً. لم يتدخل «الحرس الثوري» مباشرةً، لكنه لجأ إلى حروب «البروكسي proxy»، وهي الحرب بالوكالة عن طريق الميليشيات العراقية الموالية لولاية الفقيه الفارسي خامنئي. فهذه الميليشيات الدموية وكيلة إيران في أي حرب من دون أن يقحم النظام نفسه في حرب شاملة ربما يتصدى لها المجتمع الدولي ومجلس الأمن، فضلاً عن الحلفاء الغربيين بقيادة الولايات المتحدة.
ونستطيع أن نضرب بعض الأمثلة على حروب بالوكالة «بروكسي» مثل الصدامات العسكرية التي حدثت خلال الحرب الباردة في فيتنام وكوريا وأفريقيا وأفغانستان وأميركا الجنوبية، فقد اكتفت دولتا الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة باستخدام الوكلاء من القوى المحلية المسلحة بدلاً من المخاطرة بنشوب حرب نووية. كان الاتحاد السوفياتي يدعم قوات «ألفيت كونغ» الوطنية في فيتنام بالأسلحة والخدمات اللوجيستية لمواجهة القوات الأميركية المحتلة، من دون أن يبعث جندياً روسياً واحداً إلى الجبهة.
وحدث العكس في أفغانستان خلال الغزو السوفياتي، إذ زودت الولايات المتحدة المجاهدين الأفغان بالأسلحة والإمدادات. وفي كوبا لجأت واشنطن إلى استخدام المنفيين الكوبيين كوكلاء عنها للإطاحة بحكومة كاسترو من دون تدخل القوات الجوية الأميركية أو قوات المارينز.
وقدمت إيران نسختها من حروب بالوكالة في اليمن حين دعمت المتمردين الحوثيين بالأسلحة والتدريب والعتاد والخبراء من «الحرس الثوري» من دون أن تقحم الجيش الإيراني النظامي في التمرد الحوثي.
في الحالة العراقية لجأت طهران أولاً إلى تمهيد الأرض منذ بدء الاحتلال الأميركي في عام 2003؛ استغلت إيران الأوضاع القائمة في العراق المحتل فملأت أسواقه بأردأ أنواع الصناعات الإيرانية من السيارات والمبردات والأجهزة المنزلية وصولاً إلى البيض الفاسد والدجاج العفن، وغيّرت مسارات الأنهار الحدودية التي كانت تصب في شط العرب ونهر ديالى، وسرقت النفط من حقل «مجنون» والحقول الحدودية، واقتحمت المنافذ الحدودية بعشرات الآلاف من الإيرانيين والأفغان والباكستانيين الشيعة من دون جوازات سفر بحجة زيارة الأضرحة. ولم تكتفِ بذلك، فصدّرت إلى العراق «قامات» فلع الرؤوس في عاشوراء، والميليشيات العراقية الطائفية التي درّبها وموّلها وسلّحها «فيلق القدس»، ووجّهها إلى ميدان حرب طائفية مكشوفة هي في الحقيقة قمة الإرهاب الإيراني ضد العراق، الذي حوّلته البَلادة الأميركية إلى مستوطنة إيرانية ترفع علم ولاية الفقيه وصور خميني وخامنئي. مع ذلك فإن التغلغل الفارسي في العراق أبعد من ذلك بكثير.
فخامنئي يلعب بنيران المدافع والصواريخ والعبوات الناسفة والقنابل والمسدسات كاتمة الصوت والاغتيالات التي شملت علماء العراق وأساتذة الجامعات وضباط الجيش السابقين ومئات الطيارين العراقيين.
وطهران لا تنفي ذلك ولا تُخفي مآربها الخبيثة ولا حربها الطائفية، ومؤسساتُها وأغطيتُها المختلفة تغطي شوارع العراق تحت مسميات جمعيات خيرية وبنوك ومكتبات ومراكز ثقافية وآل البيت وحسينيات ومراكز طبية، وكلها، بلا استثناء، تعمل بتمويل وتوجيه من «فيلق القدس». وطهران لا تخشى أحداً ما دام عملاؤها من قادة الميليشيات العراقية يحكمون العراق كله.
تجمعت لديّ قائمة تضم أكثر من 40 مكتباً ومؤسسة وهيئة ومصرفاً ومنظمة وشركة تابعة لـ«فيلق القدس» والمؤسسات الاستخبارية الإيرانية، وكلها تعمل بشكل علني في العراق تحت سمع وبصر حكومة المنطقة الخضراء وترفع صور خامنئي وعلم إيران. وبمرور السنوات أصبح العراقيون يعرفون جيداً أن هذه التشكيلات إيرانية قلباً وقالباً، وتتولى مهمات مخابراتية وتوزيع الأسلحة وتدريب العناصر الإرهابية، وكلها تضع في لافتاتها مسميات للتغطية، من نوع الإغاثة أو الطبابة أو الثقافة أو الدراسة أو السياحة الدينية.
لقد أصبح البنك المركزي العراقي - مثلاً – أحد فروع البنك المركزي الإيراني تنظيماً وأداء وسيولةً وتحويلات، وباباً خلفياً لغسل الأموال الإيرانية واختراق العقوبات الأميركية أو الدولية. وأصبح النفط العراقي رهن إشارة الإيرانيين، وليس في هذا أي مبالغة، وتم تصدير كميات متزايدة من النفط الإيراني بعقود تحمل اسم العراق لتلافي العقوبات الأميركية.
لم يشكّل العراق أي عبء على إيران بعد 2003، حتى في عز قوة تنظيم «داعش». على العكس من ذلك فإن إيران هي العبء على العراق منذ الاحتلال الأميركي إلى اليوم. ولدى ملالي النظام الإيراني قناعة مطلقة بأن سيطرتهم على العراق هي الطريق الوحيد الأقل تكلفة، والأسهل تنفيذاً، والأفضل استراتيجية للتمدد الطائفي الدائم في المنطقة. ولحسن حظ إيران فإن معظم مفاتيح العراق المحتل اليوم هي في أيدي عملائها والأحزاب والميليشيات التي أنشأتها تحت خيمة «الحرس الثوري» الإيراني.
وقبل أن أنهي المقال أتساءل: هل سمعتم يوماً عن قوافل إغاثة ومساعدات إنسانية إيرانية إلى العراق؟ لم يحدث هذا ولا مرة واحدة على الرغم من أن ملالي طهران يحكمون العراق منذ احتلال بغداد في عام 2003. كانت إيران في عهد الشاهنشاه تتبرع لتذهيب أبواب وقباب المزارات الدينية الشيعية في بغداد وكربلاء والنجف وسامراء، لكنها توقفت عن ذلك منذ بداية حكم خميني وقيام الحرب العراقية – الإيرانية، ولم تستأنف هذا التقليد الشاهنشاهي إلا بعد أن سيطر ملاليها على المنطقة الخضراء، ولم تفعله سوى مرة واحدة أو مرتين. حتى السجاد الإيراني الذي كانت تهديه إلى هذه المزارات بدأت في السنوات الأخيرة تبيعه إلى الوقفين العراقيين السني والشيعي بحجة أنها تعاني من الحصار الاقتصادي الدولي.
لمطرب العراق الكبير محمد القبانجي أغنية يقول مطلعها: «عبود جاي من النجف يغني أغانينا... ويقول يا حسرتي ضاعت أمانينا»، لكن العراقيين لا يزالون يتذكرون كوكوش!

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات