عاجل

البث المباشر

الفيروس القاتل والجماعة القاتلة

بينما العالم مشغول بالحفاظ على حياة الناس في موجهة فيروس قاتل، هناك جماعة بشرية واحدة لم تتوقف عن غرضها الأساسي في قتلنا وتمهيد الطريق لعودة الاستعمار التركي تحت اسم الخلافة الإسلامية.
وبينما نسمع عن المبادرات هنا وهناك لأناس تخاطر بحياتها لمساعدة الآخرين. والبشر العاديون يصفقون لها ويحيون فاعليها. هناك جنود وضباط يخاطرون بحياتهم لكي يحمونا من الإرهاب. وجماعة فلول العثمانيين تسخر كل جهودها لقتلهم. ونجحت حديثاً في قتل عشرة منهم في سيناء.
قبل العملية بأيام قليلة، كان أحد وجوه هذه الجماعة يظهر على برنامج برعاية شبكة الإعلام القطرية يتوعد «مسلسلاً» مصرياً غرضه تمجيد بطولات أمثال هؤلاء الجنود في الدفاع عنا، متعهداً بأن «يخرب المسلسل قبل أن يبدأ». لماذا؟
وكان قائد في الجماعة نفسها، يعيش بين الدوحة والآستانة، يدافع عن «شرير المسلسل» الإرهابي هشام عشماوي. فيقول إن «الاختيار» الذي اختاره هشام عشماوي كان «معارضة التطبيع». بينما كان اختيار أحمد منسي، ضابط الصاعقة المصري، أن يمالئ المطبعين ويطيعهم. لماذا؟
قناة الجزيرة نفسها أذاعت فيديو لإرهابي يقول إنه كان في «جيش السيسي» ثم انتقل إلى إحدى جماعات فلول العثمانيين. كيف وصل إليها الفيديو؟ من فيها على اتصال بالعناصر الإرهابية؟ لماذا تذيع القناة القطرية فيديو يحرض على الجيش المصري ويسميه «جيش السيسي»؟
الإجابة عما سبق أن عملية سيناء الأخيرة كغيرها، منظمة، مرتبة، إعلامياً ولوجيستياً، ومنطلقة من غرفة تحكم واحدة، ومتوجهة برسائل عدة، حسب شرائح الجمهور المستهدف. من يكره إسرائيل نكلمه برسالة. وأصدقاء إسرائيل في أوروبا وأميركا نخاطبهم برسالة. من يحب برامج السخرية نحدثه برسالة. ومن يهتم بحقوق الإنسان نحدثه برسالة. ومن يعش في الغرب نحدثه برسالة. ومن يختلف مع الرئيس المصري سياسياً نحدثه برسالة.
لكن الغرض واحد. أن تتم العملية في سيناء. وأن يموت ضباط وجنود مصريون لكي يبقى حلم فلول العثمانيين في إعادة حكم الروم المسلمين وسيطرتهم على المنطقة.
الفيروسات تقتلنا، والجماعة تقتلنا. لكن الفيروسات لا تنتقي، كل غرضها البقاء، أما الجماعة فتقتلنا قتلاً انتقائياً بغرض السيطرة علينا، قتلاً متعمداً مخططاً له. بدليل أنها تحاسبنا على ما لا تحاسب مشغليها عليه. هي لا تقتل الأتراك لأن لديهم علاقات طبيعية مع إسرائيل. لا تقتل الأتراك لأنهم يستضيفون سياحاً، بل ولا تقتل السياح إلى تركيا كما تقتل السياح إلى مصر. حتى المسلسلات التركية لا تتوعدها الجماعة بالتخريب، ولا تتهمها بالفجور. بالعكس، تضطلع بمهمة الدعاية لها.
من أوجه الاختلاف السابقة نكتشف أن الفيروس القاتل أفضل من جماعة فلول العثمانيين. فيما تبقى نكتشف أن أوجه الشبه بينهما أكثر من أن تحصى.
الفيروسات عائلات. كلما تعلمنا اتقاء خطر بعضها خرجت من العائلة نفسها سلالة جديدة أخطر. وهكذا فلول العثمانيين. تتحور رسائلهم وتراوغنا وسائلهم. لكن الغرض واحد. إعادة سيطرة الآستانة على المنطقة كلها.
الفيروس القاتل ينتقل من أناس تبدو عليهم الأعراض. وهذا خطير لكن يمكن التعامل معه. حيث ظهور العرض رسالة تنبيه. الأخطر منه انتقاله من أشخاص لا تبدو عليهم أعراض. أو تظهر عليهم في صورة خفيفة للغاية لا تكاد تلحظ. وهكذا الجماعة. أخطر ما فيها أنها دسَّت أناساً لا تظهر عليهم أماراتها، موجودين في الأوساط الثقافية والإعلامية والتربوية، وفي مصالح الحكومة، وفي المؤسسات الدينية، وحتى في مؤسسات الفنون والدراما. ينشرون أهدافها الاستراتيجية وأفكارها القاتلة ثم يقسمون أنهم ليسوا منها.
هذه التشابهات تنبهنا إلى التعلم من مواجهة الفيروس في مواجهة الجماعة. أن نستفيد في مواجهتها بفلسفة وأدوات الأجهزة الصحية. الإحصاء الدقيق، وتتبع المتصلين، المفضي إلى الحصر، كما حدث في مواجهة الفيروس القاتل.
الفكرة الأساسية في اللقاحات هي استخدام سلاح الفيروس ضده. يجب الاستفادة من هذا أيضاً. السوشيال ميديا سلاح فلول العثمانيين الأول في نشر المرض، لكنها هدية في تعقب حاملي العدوى. والإصرار على حصر بؤرهم واحدة بعد الأخرى.
الفيروس القاتل يستخدم جهازك المناعي في إضعافك، في ظاهرة تعرف طبياً باسم «عاصفة الإفرازات». أي أنه يهزمك بتجريدك من سلاحك ضده. وهكذا تفعل جماعة فلول العثمانيين. سلاحك الأول الدولة الوطنية. سلاحك الثاني تحالفاتك السياسية. سلاحك الثالث إنتاجك الفني والثقافي. وسلاحك الحيوي الجامع مواردك الاقتصادية على تنوعها. لا تقف في موقف الدفاع أمام ابتزازهم لك في أي من تلك الأسلحة. هذه خطتهم الأساسية؛ أن يجردوك من سلاحك ويسمحوا به لمستأجريهم في الأستانة.
تضافر جهود الجماعة من أجل إنجاح الهجوم على جنودنا في سيناء يجب أن يكون دافعاً لتغير في سياسة المحاسبة، وتحميل المسؤولية. الجريمة ليست تنفيذ الإرهاب. الجريمة هي معاونة الإرهاب بأي شكل من الأشكال.
أخيراً، كل هذا يبدأ من تغيير ذهنية المواجهة. النظر إلى جماعة فلول العثمانيين بما هي، جماعة لها غرض سياسي يخدم قوة معادية، الغرض هو المرض. الجرم هو التآمر. لا أكثر ولا أقل. أي إضافة أخرى تشتيت للمواجهة.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات