عاجل

البث المباشر

علي العميم

<p>باحث سعودي</p>

باحث سعودي

سحب التجربة الناصرية على تجارب أخرى

ادعى أحمد عدنان، أن الجمهوريات العسكرية العربية قلّدت ضباط ثورة 23 يوليو (تموز) في حرصها «على استتباع المؤسسة الدينية الرسمية واستضعافها». وقد غفل في ادعائه هذا أنَّ أول حكم عسكري في العالم العربي كان في سوريا وليس في مصر. ففي عام 1949 عاشت سوريا ثلاثة انقلابات عسكرية متوالية، هي: انقلاب حسني الزعيم، وانقلاب سامي الحناوي، وانقلاب أديب الشيشكلي، التي امتدت في انقلابها الأخير من ذلك العام إلى عام 1954.
وفي هذا البلد من عام 1947 إلى انقلاب الثامن من مارس (آذار) عام 1963، كان «الإخوان المسلمون» هم وحدهم الذين يمثلون الحضور الديني الفاعل في دولته، حتى في ظل دولة الوحدة بينه وبين مصر. فهذا البلد لم يكن فيه ما يمكن تسميته مؤسسة دينية رسمية، على غرار ما هو موجود في بعض البلدان العربية في تلك الفترة ولا بعدها.
وفي العراق، بعد نجاح الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم قاسم ونفذه عبد السلام عارف في إطاحة النظام الملكي، المعروف باسم ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، لم يحدث ما ادعاه، ولا ما هو أدنى منه بكثير، بل على العكس عادت حوزة النجف عبد الكريم قاسم، وحاربته، بسبب قانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي. وأصدر المرجع الشيعي محسن الحكيم، فتوى شهيرة بتاريخ 14 فبراير (شباط) عام 1960، تقضي بتحريم الانضمام للحزب الشيوعي. هذا هو نصها:
«لا يجوز الانتماء للحزب الشيوعي، فإن ذلك كفر وإلحاد، أو ترويج للكفر والإلحاد، أعاذكم الله وجميع المسلمين من ذلك، وزادكم إيماناً وتسليماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
هذه الفتوى أضرَّت بالحزب الشيوعي العراقي، لأنَّ في صفوفه كثيراً من الشيعة، وأضرت بنظام حكم عبد الكريم قاسم، لأن نظام حكمه قائم على تحالف مع الشيوعيين. كما أصدر الشيخ محسن الحكيم فتوى بتحريم استقبال عبد الكريم قاسم في النجف!
أما الحكومات التالية لحكم عبد الكريم قاسم، سأكتفي بإحالة القارئ لكتابات وأقوال دينيين شيعة وعلمانيين شيعة ذوي ميل طائفي معلمن عنها، ليقف بنفسه على تهافت ادعاء أحمد عدنان، المتناقض أصلاً في أسلوب صياغته.
وفي الجزائر، الذي أتى بالعسكر إلى سدة السلطة فيها عام 1962، ثورة تحرير وطنية، لم يكن هناك مؤسسة دينية رسمية، لتستتبع من أجل اضعافها. وإن هو عدّ «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين»، حديثة النشأة (1931) مؤسسة دينية رسمية، فسأخبره بأنها لم تكن متحمسة لحرب التحرير الجزائرية، التي استمرت من عام 1954 إلى عام 1962، ولم تشارك فيها.
وإذا ما ذهبنا إلى حكومات الانقلابات العسكرية في السودان وفي اليمن، وإلى الحكومة العسكرية في ليبيا، فإننا لن نجد شيئاً من ادعائه، لأنه أساساً في هذه البلدان، لا يوجد كيان ديني واحد مواز لكيان الدولة وسلطته تنافس سلطتها.
أرى أن الذي دفع أحمد عدنان للرجم بهذه الدعوى، هو تحميل ثورة 23 يوليو إثم خطيئة أصلية، تكون فيها هي أصل البلاء وجرثومة الداء في دعواه المتناقضة: «استتباع المؤسسة الدينية الرسمية واستضعافها».
قد يكون عداء أحمد عدنان المطلق لهذه الثورة في أصله عداءً ليبرالياً، ويقوي هذا الظن أنه ذو اتجاه ليبرالي. لكن مع أنه ذو اتجاه ليبرالي، فهو يعتقد بأن السلطة قبل أن يستولي تنظيم الضباط الأحرار عليها كانت سلطة واحدة على شاكلة سلطة جمال عبد الناصر!
فهو لم يحدد لنا أي سلطة «حرصت على تدجين الإسلام الرسمي واستخدامه»، والمقصود هنا الجامع الأزهر: هل هي سلطة الملك أو القصر أو السراي أم الوزارة البرلمانية؟
فإذا التزمنا اللفظ الذي استخدمه، وهو لفظ «النظام العربي»، فمع بدء نشأة النظام الإقليمي العربي في 22 مارس (آذار) كان مصطفى المراغي هو شيخ الأزهر. وقد توفي بعد نشأته بخمسة أشهر. ومشيخته هذه كانت المشيخة الثانية للأزهر، التي امتدت من عام 1935 إلى عام 1945.
يتبدّى لي أن أحمد عدنان في غمرة حماسه الديني والدعوي والعاطفي والفكري للصوفية، والتبشير بأنها هي الحل لمعضلة التطرف والإرهاب الديني في تنظير مضطرب، قد نسي أن النظام السياسي قبل ثورة 23 يوليو، كان نظاماً ملكياً برلمانياً أو دستورياً، بصرف النظر عن قضية أخرى، وهي أن القصر في هذا النظام كان دوماً يتحايل على تقييد سلطته، ولا يسير وفق مقتضى مثل هذا النظام، لتوسيع سلطته المقيدة دستورياً.
ويتبدّى لي أيضاً أنه يعتقد أن موقع الأزهر في نظام ثورة 23 يوليو، في عهد عبد الناصر وفي عهد السادات وفي عهد مبارك، وقضاياه، ومشكلاته، هي نفسها في العهد الملكي، مع أن الأمر كان في العهد الملكي فيما يخص موقع الأزهر فيه، وقضاياه ومشكلاته وعلاقته بالسياسة، مختلفاً جداً.
المشابهة هي في شيء واحد فقط، هو تعرض الأزهر لمحاولة استقطاب سياسي وفكري ودعوي من قبل جماعة «الإخوان المسلمين»، في العهد الملكي وفي عهد حسني مبارك.
وعلى هذا الصعيد، يسعنا أن نقول إن تأثير خطاب «الإخوان المسلمين» الديني والسياسي والفكري على الفكر الديني الأزهري التقليدي، بدأ ينفذ إليه بدءاً من عهد السادات، وقد ساعد على ذلك جزء من الآيديولوجية التي تبناها، والمتعلق بسياسته الدينية، وتحالفه مع «الإخوان المسلمين» ومع الجماعات الدينية، وصعود الصحوة الدينية في أواسط سبعينات القرن الماضي، وعوامل سياسية واقتصادية إقليمية.
هذا التأثير نتج عنه، أنه ما عادت هناك فواصل بيّنه ومتمايزة وقاطعة، بين خطاب «الإخوان المسلمين» وغيرهم من التيارات الدينية المحدثة، وبين الخطاب الأزهري حول الإسلام والسياسة والأدب والثقافة والفكر والتيارات المنهجية والآيديولوجية الغربية... إلخ.
هذا اللقاء والالتقاء ما بين هذين الطرفين، جاء من خلال مقرر تعليمي دراسي صاغ منهجه «الإخوان المسلمون» السوريون، اسمه «الثقافة الإسلامية»، ليدّرس في جامعة الأزهر مع إنشائها في عهد عبد الناصر في ستينات القرن الماضي!
ولتجلية الصورة الملتبسة عند الزميل أحمد عدنان، سأعطيه مثالاً على أن الوضع في العهد الملكي، مختلف عمَّا أصبح عليه في عهد عبد الناصر فيما يتعلق بموقع الأزهر.
عام 1948، في تاريخ جماعة «الإخوان المسلمين» هو عام أنشطتهم الإرهابية، الذي أملى على رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي حل الجماعة. وبسبب حله لها اغتالته الجماعة.
محمود فهمي النقراشي كان رئيس الحزب السعدي. والسعديون كانوا من أحزاب الأقلية المتحالفة مع القصر. والقصر بعد صراع طويل مع حزب الوفد كان قد استقر له قرار الانفراد بتعيين شيخ الأزهر، من دون أن تشاركه فيه الوزارة البرلمانية، ممثلة برئيس وزرائها، منذ المجيء الثاني للشيخ مصطفى المراغي لمشيخة الأزهر، الذي لم يكن يرغب الملك فؤاد بتعيينه شيخاً للأزهر في مجيئه الأول. وقد تعيّن في هذا المنصب أول مرة بغير إرادة الملك فؤاد من عام 1928 إلى عام 1930. لكنه مع مجيئه الثاني، أصبح موالياً للملك فاروق، ومعادياً لحزب الوفد. وهو الحزب الذي أتى به مع حزب الأحرار الدستوريين، لمشيخة الأزهر أول مرة!
ومع هذا لم يستعن رئيس الوزراء السعدي إبراهيم عبد الهادي، الذي خلف النقراشي في منصبه، ولا القصر، بالأزهر لإدانة جريمة «الإخوان المسلمين» النكراء.
الشيخ الأزهري الوحيد الذي أدان هذه الجريمة النكراء، كان المحدّث السلفي أحمد محمد شاكر، وكان يعمل قاضياً في المحاكم الشرعية.
ومع أن الشيخ محمد أحمد شاكر أدانها بصفته الشخصية في مقال كتبه في جريدة سعدية، هي جريدة «الأساس»، ولم يقل في مقاله إنه يصدر في رأيه عن رأي جهة عمله، المحاكم الشرعية، ولا عن رأي الأزهر الذي تخرّج فيه، إلا أن الشيخ محمد الغزالي بعد مضي سنة وعشرة أشهر على كتابة الشيخ أحمد محمد شاكر لمقاله، طالب في مقدمة كتابه «من هنا نعلم» الذي يرد به على كتاب صديقه خالد محمد خالد «من هنا نبدأ»، الأزهر، بأن يطرده من زمرة العلماء!
ولو طرد من زمرة العلماء، لكان عزل فوراً من عمله في المحاكم الشرعية. وهذا ما كان الشيخ محمد الغزالي بأسلوب ملتوٍ يبتغيه من وراء مطالبته الحزبية الجائرة!
طالب بهذا قبل وقت قليل من فصله من جماعة «الإخوان المسلمين». ثم ما لبث بعد فصلها له أن قال فيها ما لم يقله مالك في الخمر!
وللحديث بقية.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات