عاجل

البث المباشر

كيف تحوّل لبنان إلى "جزيرة"؟

لا تقرأ كتاباً عن لبنان وخصوصيته إلا وتلحظ في مقدّمته الإشارة لموقعه الجغرافي وطبيعته الثقافية التي تجعل منه "بوابة بين الشرق والغرب". استفاد لبنان من هذه "البوابة" على مر التاريخ القديم والحديث في الربط بين العالمين العربي الغربي. أما اليوم فيبدو أنّ تلك الخصوصية لم تعد موجودة لا بل انقطع لبنان عن محيطه العربي وعن علاقاته مع العالم الغربي بفعل ممارسات إحدى "مكوّناته الأساسية" التي اختطفت قراره الداخلي وهيمنت على علاقاته الخارجية. لم يعد لبنان "سويسرا الشرق" عربياً كما فقد مفتاح بوابته أوروبياً وأميركياً.

خرج لبنان أولاً عن محيطه العربي بقرار من إيران عبر حزب الله. فالدولة اللبنانية، العضو في جامعة الدول العربية، خرجت عن القرار العربي في صراعات المنطقة، لكنّ العرب الذين يفهمون ويتفّهمون "خصوصية" لبنان استحدثوا له مخرجاً ديبلوماسياً لتخليصه من وزر قرارهم عبر مبدأ "النأي بالنفس". حتى هذا المبدأ لم يلتزم به وزير الخارجية اللبنانية آنذاك جبران باسيل المدعوم أو التابع لحزب الله. في الأثناء، عمد حزب الله على مواصلة تدخله العسكري في صراعات المنطقة في مواجهة القرار العربي بخلاف قرار "النأي بالنفس" الذي وعدت به الدولة اللبنانية في المجلس العربي. واصل الحزب تهديد أمن المنطقة وزعزعة استقرار الدول ضمن أجندات إيرانية ضد الشعوب العربية التي يبقى لبنان واحداً منها. وفي مارس 2016 قرّرت الجامعة العربية تصنيف حزب الله ـ المكوّن الرئيسي في حكم لبنان السياسي والعسكري ـ "منظمة إرهابية". هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل بعد أن حاربت ميليشيات الحزب مع النظام السوري جهارا ضد الشعب المنتفض. أماّ عربيا كما خليجياً تحديداً، فلم يوفّر أمين عام ميليشيا حزب الله حسن نصرالله خطابا إلا وهاجم فيه الدول التي يسترزق منها مئات آلاف اللبنانيين وعائلاتهم، بعد أن فتحت (ولا تزال) أحضانها لهم لكسب قوتهم والعيش الكريم. على أرض الواقع، انخرط حزب الله بالصراع اليمني مع الحوثيين ضد السعودية والإمارات والتحالف العربي أجمع وناقض قرارت جامعة الدول العربية في العراق وسوريا. هاجم السعودية عسكريا من الأراضي اليمنية عبر إرساله مدربين وخبراء ظهروا في أشرطة مسجّلة إلى جانب ميليشيا الحوثي كما دربوهم على إطلاق الصواريخ الباليستية التي أمّنوا وصولها إلى الجماعة المصنفة "إرهابية" عربياً. وقف "مدربو وخبراء" حزب الله جنباً إلى جنب مع الحوثيين أثناء إطلاق الصواريخ بعد تجهيزها لهم وأخذ الضوء الأخضر من الإيرانيين لإطلاقها على الأراضي السعودية. في الكويت، تغلغل حزب الله وحاول التخطيط لهجوم قبل إحباطه وإلقاء القبض على خليته التي عُرفت بـ"خلية العبدلي".

عمل حزب الله بالموازاة على قطع علاقات لبنان مع الدول الأوروبية والأميركية. في أميركا اللاتينية نشط الحزب مع كارتيلات المخدرات ولعب دوراً مع العصابات حيناً ومع الساسة أحياناً ضد حكّام معترف بهم دولياً متسببا بأزمات سياسية على طريقة انقلابات لأهداف "مافيوية". وفي أوروبا، صنّفت بريطانيا وهولندا وألمانيا أخيرا (إحدى أهم دول الاتحاد الأوروبي) حزب الله بجناحيه السياسي والعسكري منظمة إرهابية لتنضم إلى قافلة 57 دولة عالمياً تصنّف كذلك. علّلت تصنيفها بأدلة دامغة حول ممارساته الجرمية لأهداف مالية لدعم الإرهاب الدولي. في هذا السياق، لا تزال دول أوروبية أخرى تفرّق بين جناح حزب الله السياسي والعسكري وتصنّف الأخير "إرهابيا"، بينما تتغاضى عن النشاط السياسي لأسباب تعزوها معلومات من باريس وبروكسل لانتشار قوات متعددة الجنسية جنوب لبنان قد تتأثر أمنياً إذا اتُخذ هكذا قرار، لكنّ القرار الألماني قد يفتح الباب أمام قرارات أوروبية مقبلة قد تغيّر المعادلة.

غيض من فيض خارجيا، لكنّ كل ذلك ما كان ليؤثّر على لبنان الرسمي لو كان براءً من حزب الله، فيما الحزب نفسه داخل الحكومة وفي مفاصل الدولة بـ"شكل رسمي" يسيطر على مفاصلها ويتحّكم بقراراتها داخلياً وبعلاقاتها خارجيا.

وها هو حزب الله قد غيّر معالم لبنان الجغرافية ببعدها السياسي وحوّل البلاد إلى جزيرة.

داخلياً.. يعيش أبناء الجزيرة اللبنانية تحت حكم الحزب الواحد، على وقع أزمة اقتصادية غير مسبوقة وأزمات خلّفها الفساد وغياب الدولة على حساب الدويلة القائمة على المساحة الجغرافية أجمع لتلك الجزيرة.

يتخبّط لبنان عام 2020 بين مسرحية سياسية "ديمقراطية" وسلطة "أمر واقع" على أرض الواقع. تبدأ المسرحية باجتماعات متكررة لمجلس وزراء "يتدارس" فيها الأزمة الإقتصادية عبر ما سماها "خـطـة إنقاذ" تشمل إعادة تجميع وانتقاء وتنسيق وترتيب لمجموعة من الأفكار والأوراق المتداولة سابقا. رغم ذلك لا يعاني أبناء الجزيرة من نضوب الأفكار والبرامج ونقصانها، بل من إقران الخطط النظرية بالتطبيقات العملية ووضعها موضع التنفيذ . فإذا نظرنا الى خطة الحكومة الإصلاحية فهي كشبيهاتها من أوراق متداولة تتضمن إيجبيات لكنها تفتقر لتحصين القرارات الاقتصادية والمالية والنقدية بتوجيهات سياسية تعيد الثقة العربية والدولية بلبنان.

لا ينفصل الاقتصاد عن السياسة في تلك الجزيرة كما في العالم الآخر. لكن، لا يمكن إغفال أن الاكثر إلحاحا في الوضع اللبناني هو فك قبضة حزب الله عن مقدرات البلد حتى تستطيع أي حكومة الشروع في الإصلاح لإنقاذ أبناء الجزيرة من العوز والفقر والجوع والنهوض بمشروع الدولة النقيض لواقع الدويلة.
تستند الخطة الاصلاحية "الطموحة" على تأمين مبلغ 10 مليارات دولار من البنك الدولي وصندوقه، والحصول على 11 مليار دولار من الدول المانحة المشاركة في مؤتمر "سيدر" لدعم لبنان . لكن الحكومة اللبنانية تغفل عن أن العالم أجْمَعَ على أولوية البرنامج الاصلاحي الداخلي وأسبقيته. فمن المؤكد أن الخطة الحكومية لن ترى النور ما دامت بعيدة عن وضع الاصلاحات موضع التنفيذ.. فيما تلك الإصلاحات تتقاطع مع الاقتصاد الموازي الذي خلقه حزب الله إضافة لـ"اقتصاده الأسود" كما سمّاه الكاتب الصحافي اللبناني حنا صالح في إحدى مقالاته. بين هذا وذاك، تعتمد أي خطة إصلاحية أو إنقاذية على استعادة الثقة العربية والدولية بلبنان والتي نسفتها سيطرة حزب الله داخلياً على مقاليد الدولة وإنضاب مواردها لمصلحة مشروع الدويلة. وفيما يبقى قرار الدعم الأوحد الذي يُعوّل عليه أبناء الجزيرة لمحاولة إنقاذها هو من صندوق النقد الدولي إلا أنّ شروط الأخير المحقة والقانونية يعترضها حزب الله جملة وتفصيلا حيث أنّ من بين هذه الشروط: رفع السيطرة عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت وعن مرفأ بيروت وإقفال المعابر البرية غير الشرعية (عددها أكثلا من 112 معبرا على امتداد الحدود مع سوريا) ووقف تهريب المحروقات من لبنان إلى سوريا المسدد ثمنها بالدولار النادر المفقود في الاسواق والذي هو حقٌ "منهوب" من حساب المودع اللبناني. أما استيفاء هذه الشروط تحديداً فمفتاحها بيد حزب الله وهو المسيطر الفعلي على هذه الموانئ والمعابر.

لن تستعاد الثقة العربية والدولية بلبنان لكي يمنح المليارات الواردة في خطة الحكومة من دون وقف التدخل في سوريا والعراق واليمن التي يتولاها حزب الله إضافة لتنفيذ القرارات الأممية المتضمنة عدم استيراده للسلاح، وكبح جماحه عن تنفيذ عمليات في الخارج عربياً وأوروبيا وأفريقياً وأميركياً.
حتى ذلك الحين.. ستبقى "بوابة الشرق والغرب" جزيرة منكوبة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات