عاجل

البث المباشر

هشام الغنام

<p>كبير الباحثين في مركز الخليج المتخصص في استراتيجيات الحرب والعلاقات الدولية</p>

كبير الباحثين في مركز الخليج المتخصص في استراتيجيات الحرب والعلاقات الدولية

هل تغيرت الولايات المتحدة على السعودية؟

- ماذا حدث فيما يتعلق بالصواريخ الأميركية باتريوت في السعودية هذا الأسبوع؟ هل تم سحبها؟ لماذا؟

أثار قرار الولايات المتحدة بسحب اثنين من بطاريات صواريخ باتريوت والقوات المكلفة بتشغيلها وقوامها 300 جندي من السعودية تكهنات حول خلفيات القرار. بل ذهب بعض المحللين إلى ربط القرار بسياسات النفط السعودية، مرجحين أن القرار يهدف إلى توصيل رسالة إلى المملكة مفادها أن سياستها النفطية لها عواقب. ولكن يتجاهل هذا التحليل حقيقة أن السعودية وروسيا توصلتا بالفعل إلى اتفاق لخفض إنتاج النفط اعتبارًا من مايو، وهو اتفاق تم بوساطة من الرئيس ترمب في أوائل أبريل.

وتدرك الولايات المتحدة أن إنقاذ شركاتها المتخصصة في إنتاج النفط الصخري من الإفلاس لا يعتمد فقط على خفض إنتاج أرامكو الزائد، بل أيضا على إحياء الاقتصاد العالمي الذي تضرر بشدة من تفشي جائحة كورونا. ووفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز"، فقد 20.5 مليون أميركي وظائفهم في شهر أبريل، وهو ما يمثل 14.7% من القوى العاملة الأميركية، ووفقًا للمصدر نفسه، لم يسبق أن حدثت مثل هذه الانتكاسة في الولايات المتحدة منذ الكساد الكبير في 1929.

وفي الواقع، أستطيع التأكيد بأنه لا توجد أي علاقة على الإطلاق بين سحب بطاريتي الصواريخ الأميركية بروابط الولايات المتحدة مع السعودية، التي لا تزال متينة. وبحسب الرئيس ترمب نفسه، فإن سحب البطاريات "لا علاقة له بالسعودية". وصرح ترمب عندما سُئل عن سحب بطاريات باتريوت من السعودية أن الأمر يتعلق ببلدان أخرى، بصراحة، وأكثر من ذلك بكثير.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه سيتم سحب بطاريتي صواريخ باتريوت أخريين من دولة أخرى في الشرق الأوسط، على الرغم من أن البنتاغون لم يعلن عن اسم البلد.

وفي رأيي، يبدو أن هناك ستة أسباب وراء سحب هذه الصواريخ من السعودية:

أولاً، يوجد لدى الجيش الأميركي عدد محدود من أنظمة باتريوت، ويجب إعادتها بشكل روتيني إلى الولايات المتحدة للترقية، وفقًا لما نشرته صحيفة "واشنطن بوست".

ثانيًا، بدأت الولايات المتحدة مؤخرًا في ترقية وجودها في شرق آسيا لاحتواء نفوذ الصين في تلك المنطقة، والتي تتوقع الولايات المتحدة زيادتها حيث تواجه مشاكل اقتصادية هناك. وأبرز وزير الدفاع مارك إسبر مرارا ما تمارسه الصين من أنشطة في بحر الصين الجنوبي خلال الأسابيع الأخيرة. لذا، فإنه على الأرجح سيتم نشر بطاريتي باتريوت هناك.

ثالثًا، تعتقد الولايات المتحدة أنه على الرغم من أن إيران لا تزال تشكل خطرًا حقيقيًا على مصالحها في منطقة الخليج، إلا أن مصادر هذه المخاطر تأتي من وكلاء إيران في العراق؛ وليس من إيران نفسها المنشغلة حاليا في احتواء تفشي جائحة كوفيد-19، والتي باتت تستوعب جيدًا مدى تصميم الولايات المتحدة على الدفاع عن حلفائها بعد قتل قاسم سليماني.


ومما يؤكد ذلك ما قاله قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكنزي، على سبيل المثال، للكونغرس في مارس / آذار إن قتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي قاسم سليماني في بغداد "أعاد تأسيس وضع قاس من الردع ... على مستوى هجمات الدولة-على-الدولة".

في الواقع، أصدرت الولايات المتحدة مؤخرًا أوامرها لمدمراتها في منطقة الخليج بتدمير أي زوارق إيرانية إذا قامت بالتحرش بالمدمرات الأميركية.

ومما يبين أن الولايات المتحدة تعتقد فعلا أن ساحة المعركة الإيرانية هي العراق، فقد نشرت في الشهر الماضي بطاريتي صواريخ باتريوت في قواعد عين الأسد وأربيل الجوية في العراق.

رابعاً، للولايات المتحدة وجود عسكري كاف في منطقة الخليج لمواجهة إيران. تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 14 قاعدة عسكرية في المنطقة، يمكن تشغيلها جميعًا ضد إيران، إذا لزم الأمر. كذلك، يشير قرار الرئيس ترمب باستخدام حق النقض ضد قرار الكونغرس الذي يحد من سلطاته ضد إيران إلى إصراره على إبقاء إيران تحت السيطرة. علاوة على ذلك، لم يتأثر الوجود الأمريكي في بحر الخليج. لايزال التحالف الدولي لحماية الملاحة البحرية وتأمين سلامة الطرق البحرية، المؤلف من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا والبحرين والمملكة، يعمل ويلعب الدور الرئيس في حماية طرق التجارة البحرية في منطقة الخليج.

خامسا، تعتقد الولايات المتحدة أن سحب بطاريتي صواريخ باتريوت لن يؤثر على دفاعات السعودية ضد الصواريخ الإيرانية. فمن ناحية، قامت العديد من الدول الغربية، من بينها فرنسا وبريطانيا واليونان، بنشر عتادها العسكري في السعودية. ومن ناحية أخرى، يتم استبدال سرايا باتريوت، التي تم سحبها ببطاريات باتريوت أخرى فئة PAC-3 في السعودية والمصممة بالأساس من أجل "التصدي للصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ كروز والمقاتلات. ويعد صاروخ باتريوت فئة PAC-3 من أسلحة الدفاع الجوي طويل المدى ومتوسط الارتفاع، ويستخدم في أغراض الدفاع عن القوات القتالية الأرضية والمعدات العسكرية عالية القيمة. هناك 30 سرية باتريوت PAC-3 في السعودية وتمكنت المملكة بالفعل في السنوات القليلة الماضية من إسقاط 311 صاروخا باليستيا قادما من اليمن و343 درون طائرة بدون طيار. وتعمل صواريخ باتريوت PAC-3 إلى جانب منظومة الصاروخية طراز ثاد المضادة للصواريخ الباليستية، بما يكفل حماية جيدة للأراضي وحقول النفط والشواطئ البحرية في السعودية، التي زادت قدرتها على التعامل مع التهديدات بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وتعاملت الدفاعات السعودية مع 46 زورقا مفخخا ذاتي التحكم ومسيرا عن بعد و153 لغما بحريا في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى جانب الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيرة المذكورة سابقا. وقوات الدفاع الجوي والصاروخي قوات كبيرة جدا ومتطورة يتجاوز تعدادها ٤٥ ألف مقاتل يعملون على أنظمة متنوعة ومن جميع دول العالم ليس فقط الولايات المتحدة الأمريكية.

سادسا، ينبغي تذكر أن القوات والمعدات الأميركية، بما فيها صواريخ باتريوت، وصلت إلى السعودية بعد الهجوم على حقلها النفطي في سبتمبر الماضي. وكان من المفترض أن تكون النشر بصفة مؤقتة وكان الغرض منها هو تقديم الدعم للقوات السعودية من خلال زيادة استعدادها لمواجهة التهديدات على المسرحين الجنوبي والشرقي وترجع الوضعية المؤقتة إلى أن السعودية قامت بالفعل بشراء عددًا كبيرًا من الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية من الولايات المتحدة، والتي تم تسليم معظمها بالفعل وستصل باقي الصفقة قريبًا. وبعبارة أخرى، لم تعد السعودية بحاجة إلى بطاريتي صواريخ الباتريوت الأميركية، لأنه تم استبدالهما بمنظومة صواريخ أخرى وقد تم المطلوب وأعيد تموضع القوات وتمت إعادة تصميم المسارح الدفاعية الاستراتيجية بحيث يتم التركيز أيضا على المسرح الشرقي مع وصول العديد من انظمة التسليح والصواريخ المضادة والذخائر سعيا من المملكة للكمال الدفاعي الاستراتيجي.

واختصارًا، لا يوجد ما يبرر الاعتقاد بأن سحب صواريخ باتريوت الأميركية من السعودية يعد مؤشرا على توتر العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة، كما أنه إجراء لا يؤثر على القدرة الدفاعية للمملكة.

يتم تحديد العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية من خلال الاحتياجات والمصالح المشتركة، التي دامت على مدى العقود السبعة الماضية ولا تزال هذه الاحتياجات والمصالح المشتركة قائمة.

- هل هناك ما يكفي من الدفاعات الصاروخية في السعودية لصد أي عدوان أجنبي؟ وما هي أهمية منظومة ثاد الصاروخية وقذائف باتريوت وما الفرق بينهما؟

اعتبارًا من عام 2015، تمتلك السعودية ما بين 40 إلى 60 صاروخًا باليستيًا متوسط المدى من طراز CSS-2 يبلغ مداه الأقصى 2650 كيلومترًا إلى جانب ستة جحافل من صواريخ باتريوت للدفاع عنها ضد أي عدوان أجنبي. وتكفي هذه الأنظمة لمواجهة أي تهديدات يمكن أن تأتي من 50 منصة إطلاق صواريخ متوسطة المدى إيرانية و100 منصة إطلاق صواريخ قصيرة المدى.

وعلى عكس باتريوت "تتكامل منظومة صواريخ ثاد مع باتريوت من خلال توفير دفاع ضد الصواريخ الباليستية، التي تحلق إلى خارج الغلاف الجوي ومنه إلى الأرض". ومن أجل تحقيق الاعتماد على الذات، اتفقت السعودية مع الولايات المتحدة على شراء 9 وحدات من منظومة ثاد الصاروخية، التي تمتاز براداراتها بعيدة المدى ومجموعة صواريخ ذات مدى أبعد من صواريخ باتريوت، والتي من المقرر تسليمها في عام 2026.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات