عاجل

البث المباشر

الدكتور هاني عانوتي

<p>أستاذ جامعي في سياسات الشرق الأوسط&nbsp;</p>

أستاذ جامعي في سياسات الشرق الأوسط 

لبنان على شفير حركة تصحيحية

منذ ما يقارب الثلاث سنوات، روى لي أحد الاشخاص النافذين للذين عايشوا فترة الاعوام الاخيرة للحرب الاهلية اللبنانية، وما رافقتها من جولات تفاوض اقليمية قادها حينذاك ممثل الخاص للأمم المتحدة الاخضر الابراهيمي، قصة حول أحد اللقاءات التي جمعت الاخير مع الرئيس السوري حافظ الاسد. عنوان اللقاء كان التفاوض حول فك الحصار الصارم للجيش السوري عن المناطق الشرقية (اي المسيحية). دام اللقاء حوالي ٦ ساعات وعشرة دقائق. كان السياسيون في لبنان وبعض دول القرار آنذاك، قلقون لطول مدت لقاء الابراهيمي والاسد. خرج من بعدها الابراهيمي خالي اليدين معلناً رفض حافظ الاسد فك الحصار. خلال اللقاء تحدث حافظ الاسد حوالي ست ساعات متتالية عن تاريخ القطاع الزراعي في سوريا وتطوره من ايام الفينيقيين الى عام ١٩٩٠. وخلال العشرة دقائق الاخيرة أخبر حافظ الاسد المبعوث الاممي رفضه فك الحصار.

مما لا شك فيه ان حافظ الاسد استند في تفاوضه مع "العالم" على سياسة اتعاب الضيف فإحراجه واخراجه. كان الأسد بارعاً في استخدام سياسة تضييع الوقت والتفاوض الممل لاستدراج المفاوضين الى ملعبه. وقد لا أفشى سراً عن هذا الأسلوب، فصديقه الكاتب والصحافي باتريك سيل، تتطرق الى قصة شبيهة في احدى كتبه عن حافظ الاسد.

ان هذه السياسة المتمثلة بالمماطلة وتمرير الوقت من اجل اتعاب الاخر لتجريده من "صفة التفاوض" تتبعها السلطة اللبنانية الحالية (مجتمعة) مع اللبنانيين والمجتمع الدولي على حدٍ سواء. ولكن الفرق بين الأسد والطبقة السياسية اللبنانية ان الأول كان لديه أوراق تفاوض كثيرة ويجيد ادارتها وبموقع القوي، بينما الاخرون ليس لديهم سوى ورقة الإفلاس السياسي والمالي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الدولي والعربي. من هنا طريق النجاة كانت واضحة منذ أكثر من سنتين خلال مؤتمر "سادر" وما رافقه من شروط إصلاحية، رفضت القوة السياسية اللبنانية الحالية حتى اللحظة تطبيقها.

من عجائب الأمور انعدام المسؤولية من قبل المعنيين لمواجهة الانهيار المالي الحالي وتداعياته على السياسة والامن والاقتصاد. فبغض النظر عن الورقة الاصلاحية التي قدمتها الحكومة وطلبت من خلالها تدخل البنك الدولي وصندوق النقد، تبقى هذه الورقة كباقي الاوراق، خالية من اي خطة منهجية علمية تساعد بالحداثة على ايجاد الحلول. والأخطر من ذلك، اعتماد هذه الورقة على إصلاحات لها تداعيات كارثية على لبنان. لان على ما يبدو، ان هذه الورقة صيغة بطريقة امنية أكثر منها اقتصادية وهي تتمة لخطة ضم لبنان نهائياً الى احلاف تتناقد مع وجه لبنان التاريخي.

فبينما العالم يتجه بشكل وثيق نحو الحداثة والتطور والعولمة وأنظمة الجيل الخامس، يصر البعض من خلال السياسات الاقتصادية المطروحة الى تحويل لبنان من نظام اقتصادي حر الى نظام اقتصادي اشتراكي لا بل " بعثي". وكأننا اليوم على مشارف حركة تصحيحية شبيهة بتلك التي حصلت في سوريا عام ١٩٧٠ وما كان لها والانقلاب البعث هناك عام ١٩٦٣ من تداعيات على الاقتصاد والسياسة والحريات والمجتمع.

ففي عالم المعرفة وتبادل الخبرات العصري لا وجود للانعزالية والتقوقع. لأن نتائج هكذا خيارات لها انعكاسات مدمرة على الاقتصاد والمجتمع. ناهيك عن فكرة تحول لبنان، كما يطرح البعض الحاكم ومن ورائه، الى مبدأ الاكتفاء الذاتي في الصناعة والزراعة. فلبنان ليس له القدرات ولا الإمكانات لمنافسة المنتجات العالمية والإقليمية التي تعد أقل سعراً وذلك لأسباب تتعلق برواتب اليد العاملة، وغياب المواد الأولية والخ.

من هنا، لا يمكن للبنان ان يزدهر اقتصادياً مجدداً، الا من خلال الانفتاح الدولي والشراكات العالمية وجلب الاستثمارات العربية والدولية. ايضاً لا يمكننا النهوض من هذا الانحدار، الا من خلال تدعيم وتحديث مكامن القوة في النظام الاقتصادي الحالي وخصوصاً قطاع الخدمات كالتعليم، والطبابة والسياحة والمطاعم والمصارف والتجارة. مما لا شك فيه ان الاقتصادات الحديثة والعصرية مرتبطة بالتنمية البشرية المستدامة والتعاون الدولي وطبعاً التكييف مع تغيير المناخ وما بات يُعرف "بالاقتصاد الأخضر"، لذا لا مفر لنا من تطوير قطاع التكنولوجيا على أنواعها من خلال انشاء المدن الذكية، وفتح المجال وتقديم التسهيلات لاستقطاب الشركات الصغيرة والحديثة (start up). والا فالخيار البديل موجود والحركة التصحيحية المتمثلة بصياغة الورقة الاقتصادية على مشارف التطبيق.

ولكن يبدو ان هناك غاية ما في نفس يعقوب. فالطريقة العنيفة لتعامل الجيش والقوة الأمنية مؤخراً - أي حكومة اللون الواحد الحالية - مع التظاهرات المطلبية والمعيشية لا يمكن تبريرها بغض النظر عن حدت المتظاهرين في التعبير عن رأيهم. ومحاولة الفريق الحاكم اقصاء المعارضين وقمع الثورة بالقوة مُريب. فكم من خطاب تهديد مُبطن من اركان الحكومة الحالية ومن يقف ورائها رُفع في الآونة الأخيرة ليكرس مبادئ الاحادية. وكم من ناشط طُلب منه المثول امام القوة الامنية لمجرد كتابته منشور معارض على شبكات التواصل الاجتماعي. واخيراً رفع الاصوات من قبل الفريق الحاكم ومن خلفه بالاكتفاء الذاتي والاعتماد على دول مثل الصين وإيران وسوريا لا تبشر بالخير.

من المخيف جداً ما يحصل، لان للأنظمة الديكتاتورية والدول البوليسية نهج متكامل ومترابط بمثلث السياسة والامن والاقتصاد. وان ولسبب ما، فُقدت أحد ركائز هذا المثلث يختفي النظام. فمثلاً لا يمكن التعايش بين حرية التعبير والنظام الاقتصادي الممسوك من الدولة (او الدولة العميقة)، والعكس صحيح. ومن المستحيل الموائمة بين النظام السياسي الديمقراطي والدولة البوليسية الامنية.

بكل بساطة، لا يكتمل بناء المنظومة الامنية الجديدة دون السيطرة وتغيير طبيعة الاقتصاد اللبناني من ليبرالي حر الى اقتصاد ممسوك بشكل وثيق من الدولة ومن يقف ورائها. فالمعضلة اليوم ليست بطبيعة النظام الاقتصادي. بحيث ان الأزمة الاقتصادية الحالية يمكن التعافي منها عكس ما يدعي البعض، لأنها نتيجة فساد ونهب المال العام وقلة استثمارات أجنبية. فتغيير جوهر الاقتصاد اللبناني مرتبط بتغيير النظام السياسي والأمني الذي نشهده اليوم.

على سبيل المثال، ان الخلفية السياسية لمعظم الصرافين معروفة وهذا ما يسهل حصولهم على الدولار المهرب وبيعه بالسوق السوداء. مع العلم ان الدولار مفقود لدى البنك المركزي والمصارف التي تطالب التجار بدفع الدولار نقداً من اجل اتمام عمليات الاستيراد. فحملت التوقيفات الاخيرة للصرافين تحت شعار التلاعب بسعر صرف الدولار لا تصب الا بمصلحة اعادة هيكلة الاقتصاد الديكتاتوري. لأن سعر صرف الدولار مبني على قاعدة العرض والطلب وهذا منطقي ولا يبرر توقيف الصرافين في ظل غياب اي دور للدولة والمصرف المركزي. اما الان ومع فقدان الدولار لدى الصرافين والمصارف سيكون من المستحيل على التجار انجاز عمليات استيراد وخصوصاً المواد الغذائية. وسنكون امام خيار وحيد هو القضاء على النظام التجاري التقليدي والمعتمد على الانفتاح واغراق الاسواق بمنتوجات من الدول الهيمنة وقوى الامر الواقع.

من هنا لا امل لدينا بمستقبل كما نحلم الا الوقوف خلف ثورة ١٧ تشرين. فتغير النظام اللبناني الحالي وتغيير الطبقة السياسية التقليدية بات امر ضروري وملح. فالبعض منها يأخذ لبنان ضحية ورهينة لأنظمة ليست قابلة للحياة ونقيض التطور البشري والاقتصادي. من المعيب في عام ٢٠٢٠ ان يتربص بالحكم قادة ميليشيات سابقة وقوى رديفة عن الدولة، بينما العالم يتجه أكثر وأكثر نحو الديمقراطية وتمكين حقوق الإنسان وتفعيل أهداف التنمية البشرية المستدامة. فالفرق بين الخطين عميق ونقطة التلاقي بين الحداثة الدولية والنظام اللبناني الحالي، والأخر البوليسي قيد الانشاء، غير ممكنة لا بل مستحيلة. من هنا علينا ان نعترف ان لا اصلاح مالي واقتصادي عصري الا بعد الاصلاح النظام السياسي. وان في الأفق القريب خياران لا ثالث لهما:

الخيار الأول هو الخضوع فالسقوط فالتخلف والتحول الى "دولة فاشلة" على غرار الصومال. حيث المجموعات المسلحة هناك تفرض سيطرتها على مناطق نفوذها ويترافق ذلك مع عزلة دولية وعربية. اما الخيار الثاني - خيار ١٧ تشرين - هو عودة لبنان الى دوره الطبيعي والتاريخي كصديق للمجتمع الدولي والإقليمي. لبنان مرحلة اعوام إعادة الإعمار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي كما أعوام ما بعد الحرب الاهلية ولكن هذه المرة بطريقة مختلفة عصرية وليبرالية وبالطبع ديمقراطية.

اخيراً، لا يمكن ان تمر رسالة رئيس الجامعة الاميركية في بيروت الدكتور فضلو خوري عن تقليص دور الجامعة لاسباب رغماً عن ارادته مرور الكرام. فللجامعة الأميركية في بيروت ارث حضاري وعامل فكري ساعد في رسم هوية العاصمة ولبنان على مر العقود. فالجامعة والعديد من الارساليات البروتستانتية او الكاثوليكية وغيرها ساهمت بنشر لبنان الثقافة والتنوع والانفتاح والاهم لبنان الديمقراطي وفكره الحر. فتقليص دور الجامعة اليوم يعني ما يعني في طياته من تحجيم الدور الريادي للبنان وطبعاً العامل المؤسس في صياغة الثقافة الديمقراطية. فلهذه الارساليات، ومنذ منتصف القرن الثامن عشر، باع كبير في تخريج كبار القوم في الفكر والسياسة والاعمال والاقتصاد والفن ليس فقط في لبنان انما على صعيد المنطقة والعالم. لذا وبسبب الازمات المتلاحقة اقله منذ عام ٢٠٠٥، لم يبقي من وجه لبنان الحضاري سوى هذه الارساليات المهددة اليوم بتقليص نشاطاتها وربما لاحقاً الانقراض. فالقطاعات الأخرى والتي كانت تُعتبر مفخرة لبنان تعثرت واقفل العديد منها. فلبنان اليوم مهدد بإقفال او بتحجيم دور المعقل الأخير للدفاع عن الديمقراطية والحريات والفكر الحر. لأنه وعلى ما يبدو ان هناك حركة تصحيحية على الطريقة البعثية تلوح في الأفق. وان الخطة المنهجية المتبعة لإعادة لبنان الى ما قبل انطلاق الجامعة الأميركية في بيروت عام 1866 بدأت تأخذ حيز التنفيذ.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات