عاجل

البث المباشر

الشعب الإيراني يسأل خامنئي: أين أموالنا من مكاسبك التوسعية؟

سارت المشاريع التوسعية على مر التاريخ يداً بيد مع المكاسب الاقتصادية. لم يكن الهدف يوماً السيطرة على أراضٍ لا مصلحة فيها للدولة المحتلّة إن لم يكن من ورائها ثروات عينية أو موقع جغرافي استراتيجي يُستخدم ممراً تجارياً أو عسكرياً أو الاثنين معاً. منذ آلاف السنين.. والسياسة والاقتصاد يسيران يداً بيد.

برز جهراً في السنوات الأخيرة مشروع إيران التوسعي الذي بنت عليه خطابها الديني والطائفي والعسكري، فيما يبدو أنّ هذا المشروع استغلّ الدين حيناً و"أمجاد" التاريخ أحياناً لتشتيت الانتباه عن المكاسب الاقتصادية التي تعود بالمنافع للنظام الإيراني حصراً. كان مشروع إيران التوسعي اقتصادياً "دنيويا" ليزيد ثورة المرشد الإيراني (المقدرة بـ200 مليار دولار وفق تقرير لسفارة الأميركية ببغداد) على حساب شعبٍ يعيش قرابة الـ40% منه تحت خط الفقر والنسبة نفسها لا تملك مقوات العيش الكريم. هذا فيما يروّج النظام إلى أنّ هذا الوضع الاقتصادي المنهار مرتبط بـ "مؤامرة كونية" عليه تترجمها العقوبات. أما على أرض الواقع، فالأموال التي حققها المشروع التوسعي مكدّسة في خزائن خامنئي والحرس الثوري الإيراني.

من أين أتت هذه الأموال وكيف تكدّست هذه الثروة؟ وللإجابة على هذه الأسئلة لا بدّ من إلقاء نظرة على واقع الحال في البلدان والعواصم التي جاهرت إيران عام 2015 عبر مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي ـ عندما وقف على باب الشرعية اللبنانية بعد لقاء مع رئيس الوزراء اللبناني ـ وقال: نسيطر اليوم على 4 عواصم عربية في إشارة إلى صنعاء وبغداد ودمشق والعاصمة اللبنانية.

عملت إيران على استغلال الخطاب الطائفي في مشروعها للتأثير في نفوس مقاتليها في صفوف ميليشياتها، والخطاب السياسي المعادي للغرب متى اقتضت الحاجة للعب "دور الضحية" أمام شعبها ومناصريها، فيما كل ذلك كي تبيح المحظورات في احتلالاتها المنضوية تحت بُعد سياسي عبر الأيديولوجيا والدين لأسباب اقتصادية أولاً تعود بالمنفعة على النظام ورؤوسه.. لا على "دولة إيران" وشعبها.

وفيما يبقى الموقع الجغرافي في مجال الاقتصاد أساسياً، شخصت أعين النظام الإيراني على لبنان وسوريا للوصول إلى البحر المتوسط وللحدود الشرعية والمعابر غير الشرعية بين البلدين. في دول سيطرتها استنفدت طهران أموال الشعوب لمصلحتها، ويكفي مراجعة الوضع الاقتصادي في كل من هذه الدول لتجد بيانات واضحة على انهيارات وأزمات، حتى إنها أعادت رسم الخارطة الاقتصادية بما يتناسب مع مصالحها. فتراها حيناً توقّع اتفاقيات "رسمية" أحادية المنفعة لها كما في العراق وسوريا، أو تراها أحيانا تخلط أوراق الاقتصاد الوطني كما في لبنان واليمن لتعيد توزيعها وفق منفعتها عبر اقتصاد مواز وأسود (نفصلّهما لاحقاً).

استغلت إيران كل قدراتها المالية والعسكرية لحماية رئيس النظام السوري بشار الأسد، ولتنفيذ الاتفاقيات التي تضمن مصالحها في سوريا لعقود قادمة. قدّرت دراسة أميركية إجمالي إنفاق إيران على النظام السوري وأنشطة ميليشياتها في سوريا والعراق واليمن بحوالي 16 مليار دولار سنويا، بينما ينفق النظام الإيراني حوالي 700 مليون دولار سنويًا على ميليشيات حزب الله في لبنان.

وإذا كان الاستثمار بهذا الحجم فلا بدّ ـ منطقياً ـ أن يكون المردود أكبر. فما هي مكاسب هذا الاستثمار الهائل؟ بعد تدمير جزء كبير من قطاعات البنية التحتية والإنتاج في سوريا، دخلت إيران في العديد من الاتفاقيات والعقود الاقتصادية مع النظام السوري من أجل إعادة بناء هذه القطاعات، والتي تشمل البنية التحتية والكهرباء والصحة، والمطاحن وإنتاج وتوريد الأغذية، والتمويل. وتم التوصل إلى اتفاقيات في عام 2013 لتمويل الواردات بسوريا، بشرط أن تأتي نسبة كبيرة من إيران وعبر الشركات الإيرانية، كما قامت دمشق بإعفاء شركة تصدير المواد الغذائية الإيرانية من جميع الرسوم والضرائب عند نقل البضائع إلى سوريا. وبعد سيطرة روسيا على الموانئ واستكشافها للنفط والفوسفات والغاز والمعادن، دفع ذلك إيران للتركيز على قطاع الطاقة الكهربائية، بعد أن تضررت شبكة الكهرباء السورية بشدة وتحتاج إلى 7 مليارات دولار على الأقل لاستعادتها. بالتالي لم يكن الدعم العسكري والمالي الإيراني للنظام السوري مجانيا، مما يتطلب ضمانات سيادية تضمن حقوقه، لذلك، منح بشار الأسد إيران مؤخرا وفق معلومات متداولة "بلوكات نفطية" كما حصلت على ميناء في الساحل السوري إضافة لسيطرة على القطاع الصحي من خلال رجل أعمالها السوري المعروف، سامر الفوز، بالإضافة إلى أدوار في مشاريع البنية التحتية.

ووفقًا لموقع "سوريا ديلي نيوز"، فإن الميزان التجاري الإيراني قد تأثر بشكل إيجابي بالعلاقات التجارية مع سوريا خلال فترة الحرب، وتحديداً في ما يتعلق بالصادرات، حيث ارتفعت قيمة التجارة الإيرانية من 361 مليون دولار في عام 2011 إلى حوالي أكثر من مليار دولار في 2020. وأدت هذه الزيادة في الصادرات الإيرانية إلى سوريا إلى تحول مستمر في سوريا إلى سوق للمنتجات الإيرانية، وأصبحت إيران الشريك التجاري الأول لسوريا. وفيما لا تملك سوريا المال اللازم لسداد ديونها، سيطرت إيران على قطاع إعادة الإعمار تقريبًا، حيث اشترت العقارات من خلال ممثلها في سوريا، عبد الله نظام، بينما كانت أيضًا تسيطر على مناطق القدام والقصير والزبداني، ناهيك عن سيطرتها على قطاعي المعادن والسيارات.

وهنا يأتي دور الاقتصاد الموازي (أو الاقتصاد الأسود) الرابط بين سوريا ولبنان عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية. وفيما يعيش لبنان وضعاً اقتصادياً مأزوماً ليحتلّ مركز ثالث أكبر الدول مديونية في العالم، يعزو خبراء اقتصاديون أسباب هذا الانهيار الاقتصادي لضعف الحكومات وسيطرة ميليشيا حزب الله على القرار في لبنان والتي أسهمت في انتشار الفساد والمحسوبيات وهروب رؤوس الأموال. وتترجم الانهيار الأخير بانهيار العملة حتى فقدت ثلثي قيمتها وتراجعت أمام الدولار من 1500 ليرة إلى أكثر من 4 آلاف ليرة، فيما سوق العملة وحده يدرّ أرباحاً طائلة على حزب الله ومن ورائه إيران. أكثر من يملك عملة الدولار نقداً اليوم في لبنان هو حزب الله الذي تأتيه تلك الأموال من شبكاته في إفريقيا وأميركا اللاتينية وتدخل لبنان عبر المرافئ الرسمية ومطاره "الدولي" الذي يسيطر عليه. أما نقيب الصرافين في لبنان والذي تتخذ شركته مقراً لها في معقل حزب الله تفيد مصادر بأنّ تحديد سعر الصرف يأتي منها، فيما صاحب الشركة تلك هو نقيب الصرافين اللبنانيين وشقيقه. (النقيب يشغل منصباً في اللجنة الأمنية لحزب الله فيما شقيقه عضو في اللجنة المالية للحزب). هذا إضافة إلى سيطرة حزب الله على القطاع التجاري حيث يستورد بضائع أقل كلفة من تلك الموجودة في الأسواق لعدم دفعه ضرائب جمركية وبالتالي ضرائب على القيمة المضافة تمر عبر مرفأ بيروت ومطاره الذي يسيطر عليهما أو عبر المعابر غير الشرعية لتصدير مواد مدعومة من البنك المركزي ما يجعل تكلفتها أقل وأرباحها أكبر لدى تهريبها وبيعها في سوريا كالطحين والنفط. يُضاف إلى كل ذلك، تجارات أخرى كالمخدرات في البقاع اللبناني وتجارة السيارات (المسروقة أو تلك التي تدخل لبنان بدون ضريبة جمركية عبر مرفأ بيروت) وصفقات داخل الدولة تعود بأرباح طائلة على الحزب مقابل تأمين الغطاء لها. وعندما قال في 2016 أمين عام حزب الله حسن نصرالله: "طالما هناك فلوس في إيران فسيكون لدينا فلوس" لم يكمل نصرالله حديثه ليقول إنه لطالما لدى حزب الله مكاسب مالية بسيطرته على الاقتصاد فإنّ رد الجميل لخزينة خامنئي واجبٌ على ميليشياته التي تقدم الطاعة لنظام إيران والتي استثمرت بها إيران المليارات.

هذه النسخة اللبنانية استنسختها إيران في اليمن عبر ميليشيات الحوثي. وفي أحاديث مطوّلة أجريتها مع عدد من الاقتصاديين اليمنيين حول سياسة الحوثيين الاقتصادية في محاولة لفهم التقارب بينها وبين حزب الله، تبيّن أنّ التاريخ يعيد نفسه. فبعد عام 2014 وانقلاب صنعاء، عمل الحوثيون على طرد رؤوس الأموال اليمنية وضرب الاقتصاد الوطني وإعادة تركيب اقتصاد يفصّلونه وفق مصالحهم بأوامر إيرانية. سيطروا على قطاع العقارات، وضاربوا بالعملة بعد أن فقدت معظم قيمتها إضافة لتهريب السلاح والمخدرات وتجارة السيارات وفرض إتاوات وجبايات على التجار والمواطنين في مناطق سيطرتهم. نسخة طبق الأصل بين صنعاء والضاحية الجنوبية لبيروت.

أما في العراق، ومنذ عام 2003 بدأت ايران تتعامل مع هذا الوضع كفرصة ذهبية للسيطرة على البلاد. تغلغلت اقتصادياً عبر استخدام جارتها كسوق تجارية مفتوحة وهشّة فأغرقت الأسواق بمنتجاتها إيرانية زهيدة الثمن ما أثر على المنتج المحلي وإخراجه من المنافسة. كما استغلت إيران الحدود مع العراق لتكريس سيطرتها على التجارة عبر مرتشين من المسؤولين المتحكمين في المنافذ الحدودية ولاحقاً عبر ميليشيات تأتمر من طهران. ارتفع حجم التبادل التجاري الايراني مع بغداد خاصة بعد توقيع الحكومة اتفاقيات تصب في خدمة النشاط الاقتصادي الإيراني أحادياً. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عُقد اتفاق ـ في سبتمبر 2014 ـ خفضت بغداد بموجبه تعرفتها الجمركية أمام السلع الإيرانية لتتراوح بين 0% و5%. وفي فبراير 2015, اتفقت طهران مع بغداد على إلغاء عمليات الرقابة على الصادرات الإيرانية من السلع عند المنافذ الحدودية لـ"تيسير حركة التجارة" وبهذا تصبح استيرادات العراق 72% من مجموع السلع الإيرانية المحلية غير النفطية، ليكون العراق في المرتبة الأولى في استيراده لتلك السلع. هذا التبادل الأحادي الفائدة تسبب بخروج صافي العملة الأجنبية من العراق التي تقدر بـ 16 مليار دولار مقابل سلع تدخله من إيران. وفي قطاع الطاقة، سعت طهران كذلك إلى حضور أكبر، اذ صرح وزير الطاقة الإيراني “حميد شت شيان” في يوليو 2014 بأن إيران تشارك في 27 مشروعا لتوليد الكهرباء بقيمة مليار و245 مليون دولار، متوقعا استحواذ إيران على نسبة 5 إلى 10% من المشروعات التنموية في العراق التي ستصل تكلفتها إلى 275 مليار دولار . تحكم إيران في قطاع الطاقة العراقية جعلها تستغل البلاد اقتصاديا دون ان تلقى مقاومة تذكر. وفي مجال الشركات والمصارف، تسيطر إيران أيضا على 60%من الأسهم فيها، ليتكرس التوغّل الايراني على سبيل المثال لا الحصر، وتأتي فوائد المشروع التوسعي في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان بأرباح طائلة على نظام إيران.. فتتكدّس الأموال في خزائن رؤوسه على حساب شعبٍ لم يحصل منها حتى على فتات.

كلّ ذلك، تؤكّده التظاهرات المعيشية الأخيرة التي خرج فيها الإيرانيون في الشوارع ضد نظام وصفوه بالـ"السارق"، لكنه واجههم بالرصاص حيث قُتل منهم أكثر من 1500 متظاهر، وفق رويترز. وقبل يومين من تاريخ كتابة المقال، أعلنت الشرطة الإيرانية أنها مستعدّة عتاداً وعديداً في حال خروج تظاهرات جديدة. كلّ ذلك إنما يؤكّد أنّ النظام الإيراني صرف أموال شعبه على استثمارات مشبوهة في مشروعه التوسعي الذي حمل عنواناً مذهبيا حينا وسياسياً أحياناً فيما "حقيقة" لا يتعدّى كونه مشروع فساد عابرا للحدود على حساب شعوب المنطقة والشعب الإيراني على وجه الخصوص حيث إنّه عاد بمكاسب اقتصادية هائلة على قادة النظام ودخلت الأرباح في خزينة المرشد والحرس الثوري ولم يستفد منها الشعب الإيراني أبداً.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات