عاجل

البث المباشر

القدس..  مهد الديانات زيارتُها أصبحت "جريمة"؟

لم أعتقد يوماً أنني لن أرى أطفالي يشاركونني رائحة الوطن والخبز الطازج والزيتون في موسم حصاده. لم أعتقد يوماً ألا يجالس والداي أحفادهما في باحة منزلنا الذي ترعرعت فيه. لم يخطر ببالي يوماً أن يكون ولداي طيفاً في حديقة بيتنا يركضان ويتسلقان الأشجار على مرأى من جدّيهما.. ولا يتعدى ذلك كونه حلماً يوقظه الواقع الأليم في لحظة وردية من الخيال.

هي حالة من "النوستالجيا" لا تفارقني وتلازمها حالة "الفانتازيا" بوجود الأحبة إلى جانبي في أرضي وبلادي ووطني الذي لا يبعد سوى كيلومترات قليلة عن جيرانه ويبتعد عقوداً من الزمن التي لم تنتهِ.

زيارة القدس جُرّمت وحُرّمت على قاصديه وعلى الحالمين بالوصول إليه من العرب تحت "شماعة التطبيع"، لينتهي الحال بالفلسطيني وحيداً ومقاطعاً وأسيراً تكرّسه ممارسات من يستخدمون قضية فلسطين "شعاراً" لسياساتهم المشبوهة ويطبّقون على أرض الواقع هدف الاحتلال الإسرائيلي لينفرد ببطشه في شعب "متروك".

تحت ظروف قاهرة، أُجبرت الحكومات التي تسيطر عليها محاور "الممانعة" من "تجريم" زيارة القدس، مهد الديانات السماوية، فيما الشعوب العربية على اختلافاتها الدينية من حقّها السجود في المسجد الأقصى أو الصلاة في كنيسة القيامة.

وهنا أتساءل عن هذه الازدواجية في التعاطي. نساند الفلسطيني وقضيته ونبني حائط عزل عنه. وحين يكسر أسره ويزور أشقاءه الذين لا تفصله عنهم إلا الحدود الجغرافية، نرى استقبالا فاتراً يصل حدّ الذل أحياناً وكأنّ العدو الصهيوني نفسه وصل بـ"وقاحة" إلى بعض مطاراتهم.

أنا فلسطينية أباً عن جدّ، لا تحملوني مسؤولية "جهلكم" حيناً وسياساتكم أحياناً أو عساكم تنهون هذه المهزلة وتتخلون عن "القضية الفلسطينية" في خطابات "محور الممانعة" التجييشية التي لا يترجمها على أرض الواقع سوى بالمساواة بين الإسرائيلي والفلسطيني في تعاطيه معهما.

تحت شعار التطبيع، تتنكّرون ولملايين السكان الفلسطينيين المتمسكين بأرضهم! ويبقى السؤال صراحة: هل تريدون منّا ترك فلسطين للعدو حتى تستقبلونا؟ وبالتالي أين "الحكمة" من سياستكم المعادية لإسرائيل إذا كنتم تساوون بين الفلسطيني والإسرائيلي تحت شعار "محاربة التطبيع".

فهل صار الميلاد والعيش في القدس "جريمة وخيانة"؟!

إذا كانت زيارة القدس ممنوعة قانوناً فهذا معيب، وإذا كانت ممنوعة في عقولكم فهذا عجيب. وبينهما، لا تعتقدوا أن السياسة وزواريبها ستمنعني عن القدس بسبب "تجّار" فيما لم أتركها للمحتل ودباباته.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات