فيروس جيجيك و«الشيوعية الجديدة»

فهد سليمان الشقيران

نشر في: آخر تحديث:

لم تتوقف التحليلات الفلسفية من المتخصصين لطرح كلٍ وجهة نظره حول ما يجري في هذا العالم. وهي تحليلات متداخلة مع عددٍ من المجالات، منها الطبي، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وهي تحليلات ثرية بتنوعها واضطرابها وجنون نتائجها أحياناً.
تفرعت التحليلات ونتائجها إلى نظرتين؛ أولاهما: لا ترى في هذا الوباء أي تأثير محتمل على المؤسسات الأممية، فضلاً عن إمكانات تزحزح الدول أو انهيارها، وإنما ستكون أمام الدول تحديات حقيقية يجب أن تستعد لها. الثانية: رؤية ثورية ترى في هذا الظرف فرصة استثنائية لتجديد دماء الثورة، والانقضاض على الدول المنشغلة بإدارة الأزمة، والمثقلة بوزر الجائحة. هذا الرأي بات المظلة الجامعة للتيارات الآيديولوجية، ومنها الأصوليات الدينية، تجمعهم عداوة النظام العالمي، و«عقيدة» الحرب على الرأسمالية، وتقديس الديمقراطية، ومن هؤلاء الفيلسوف السلوفيني سلافي جيجيك.
نشر جيجيك رأيه حول الجائحة في مجلة «لوبس» الفرنسية، عنونَه بـ«كورونا فيروس الآيديولوجيا» ضمنه تفسيره، وأبدى ملاحظاته حول الديمقراطية، ومستقبل الشعوب، والرأسمالية، ونمط الاستهلاك. وبالتزامن، نشر أحدث كتبه بعنوان «Pandemic». وبحسب مراجعات أولية نشرت عنه، فإن سلافي يقول بوضوح: «إن شكلاً جديداً من الشيوعية هو الحل لإيقاف هذا الوباء الناتج عن الهمجية العالمية، وإن الفيروس العجيب هو اللحظة الحاسمة التي ستقضي على المنظومة الرأسمالية السيئة بعد أن يجد الجميع، وبثمن باهظ من آلاف، وربما ملايين الإصابات، أن العالم لم يعد بإمكانه المضي بأدواته وطرائقه القديمة، وأنّ ثمّة تغييراً جذريّاً ينبغي أن نقدم عليه كمجموعة بشريّة».
سأتطرق هنا لأبرز ملاحظات جيجيك المنشورة بالمجلة، وأعادت نشرها وكالة «مونت كارلو» ثم أعلق عليها:
* إنني مدرك تماماً للخطر الذي أواجهه بنشر أفكاري علانية - هل أنني أقوم بإسقاط رؤية نظرية على ضحايا انطلاقاً من موقع خارجي، محمي بشكل جيد، وبالتالي إضفاء شرعية بشكل سينيكي على معاناتهم؟ عندما يغادر مواطن ملثم من ووهان منزله بحثاً عن أدوية أو طعام، من الواضح أنه لا يوجد أي فكر مناهض للاستهلاك في ذهنه، بل فقط الذعر والغضب والخوف. أنا أزعم ببساطة أنه يمكن حتى للأحداث المروعة أن تكون ذات نتائج إيجابية غير متوقعة.
* الحاجة الملحة للتعددية لا تعني بالضرورة أنه يجب نسخ النموذج الغربي لديمقراطية متعددة الأحزاب، بل ببساطة إلى فتح حيز يمكن فيه سماع انتقادات المواطنين. إن الاعتراض الرئيسي على فكرة أن الدولة يجب أن تتحكم في الشائعات لتجنب الذعر هو أن هذا التحكم نفسه ينشر عدم الثقة، ويخلق بالتالي المزيد من الشائعات المؤامراتية - فقط الثقة المتبادلة بين الشعب والدولة يمكن أن تعمل.
* في حالة انفجار وباء عالمي، فهل ندرك جيداً واقع أن آليات السوق لن تكون قادرة على حمايتنا من الفوضى ومن الجوع؟ يجب أن تؤخذ التدابير التي تبدو لمعظمنا اليوم على أنها «شيوعية» في عين الاعتبار والتنفيذ على المستوى العالمي: تنسيق الإنتاج والتوزيع من خارج إحداثيات السوق. يجب التذكير هنا بالمجاعة الكبيرة للبطاطس التي دمرت آيرلندا في أربعينات القرن التاسع عشر، مسببة ملايين الوفيات أو المجبرين على الهجرة. احتفظت الدولة البريطانية بثقتها بآليات السوق، واصلت آيرلندا تصدير المواد الغذائية، بينما كان ملايين الأشخاص في حالة من الضيق الشديد... لم يعد من الممكن التسامح اليوم مع هذه القسوة.
* يمكن أن ينظر إلى وباء الفيروس التاجي على أنه نسخة مقلوبة من «حرب العوالم» لهربرت جورج ويلز (1897). يحكي الكتاب عن غزو المريخيين للأرض، ثم يكتشف البطل - الراوي اليائس أن جميع المريخيين قد أبيدوا بواسطة ميكروبات أرضيّة لم يكونوا محصنين ضدها: «قُتلوا، بعد فشل كل الاستراتيجيات البشرية، بواسطة أكثر الأشياء تواضعاً التي وضعها الله، في حكمته، على هذه الأرض».
تلك أبرز ملاحظاته، وجيجيك لطالما اهتم بالآيديولوجيا نقداً وتعليقاً. الفكرة الأساسية لديه أن الجائحة ستحمل معها تحولات عالمية تمس النظم والكيانات، بل تمثل، كما يعبر، فرصة للتحرّر والديمقراطية ومناهضة الاستهلاك، وأن الجائحة تمثل عبرة لرعاة الاستبداد ومحاربي حرية التعبير، وأن الديمقراطية يمكنها أن تمهد لتحول يحد من احتمال انتشار «الفيروسات الآيديولوجية» مرة أخرى.
سلافي جيجك مدمن على نقد العولمة وأثر الثقافة الرأسمالية.. إن الخلاف معها أبدي وآيديولوجي، لم يستخدم بالطبع وصف الفيروس بـ«العقوبة» التي حلت على أميركا وبريطانيا، لأن عدته المفهومية ليست دينية، لكنه اعتبر الفيروس جندياً ضد «الكبرياء» التي تمثله الرأسمالية، يخاطب سلافي الإسرائيليين والبريطانيين قائلاً: «ربما سيتحلى بعض الإسرائيليين بشجاعة الشعور بالعار من السياسات التي يتبعها نتنياهو وترمب باسمهم - وليس بالطبع أن يشعروا بالعار من كونهم يهوداً، بل على العكس، العار مما تقترفه السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية ضد التراث الأثمن لليهودية. ربما ينبغي على بعض البريطانيين أن يتحلوا بشجاعة الشعور بالعار من الحلم الآيديولوجي الذي جعلهم يستحقون (بريكست)».
تمثل ملاحظات جيجيك، كما جل كتاباته، ملاذاً لجحافل اليسار والشيوعيين، وعدة لمثقفي الأصوليات المتطرفين، وكنزاً لمحترفي الفوضى والثوريين.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.