عاجل

البث المباشر

هل الخلل في الأنظمة أم في التطبيق؟

لا أعتقد بوجود بلد في العالم يتحقق فيه توطين الوظائف بنسبة 100 %، ولا أعتقد أن هذا هدف تسعى إليه الدول لأن التنوع في القوى البشرية من حيث التعليم والتجارب والخبرات يمثل قوة لأي بلد مهما كانت قوة هذا البلد. الدول المتقدمة تستقطب الكفاءات العلمية والإدارية من خارجها، كما تستعين بعمالة من دول أخرى لسد احتياجاتها. المبدأ في هذا الاستقطاب هو الاحتياج، وألا يكون ذلك سبباً في أحداث بطالة لأهل البلد.

المملكة العربية السعودية ليست استثناء في هذه القضية. فتحت باب الاستعانة بالقوى البشرية العربية وغير العربية، وفي نفس الوقت استثمرت في الإنسان وسخرت إمكاناتها في دعم برامج التعليم والتدريب. تطلبت مشروعات التنمية الشاملة الاستعانة بالقوى البشرية الوافدة من دول مختلفة لسد الاحتياج ونقل الخبرة في مجالات مختلفة، وفي نفس الوقت سارت المملكة في طريق استراتيجي يحمل عنوان التعليم والتدريب لدعم مشروعات التنمية الشاملة.

استطاعت المملكة من خلال تلك الاستراتيجية أن تمتلك كفاءات وطنية في مجالات الإدارة والطب والهندسة والأعمال الفنية وغيرها ولا تزال تسير في هذا الطريق إلى جانب الاستعانة بالوافدين لسد الاحتياج أو لخبرة معينة.

وهكذا يمكن القول من حيث المبدأ أن الاستعانة بالخبرة الأجنبية مطلب تنموي لاستقطاب كفاءات متخصصة في مجالات محددة. النقد الذي يطال الاستقدام لا يوجه لمبدأ استقدام العمالة واستقطاب الكفاءات ولكن يستهدف الخلل في الممارسات وتطبيق الأنظمة مما أدى إلى المبالغة في هذا الطريق حتى وصلنا الى انتشار التستر والعمالة السائبة التي حولت شوارعنا الى دكاكين وبقالات زائدة عن الحاجة توفر كافة الخدمات التي ليس لها قيمة اقتصادية. والخلل الآخر في استقطاب كفاءات وافدة في مجالات تتوفر فيها كفاءات وطنية. هذا الخلل معروف وبرزت خطورته بشكل أوضح بعد جائحة كورونا.

من هنا سوف يتعين على بعض الوزارات ذات العلاقة وهي كثيرة سواء علاقة مباشرة أو غير مباشرة، ومنها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ووزارة الشؤون البلدية والقروية، يتعين عليها أن تنتقل الى مرحلة جديدة تتضمن مراجعة موضوع استقطاب الكفاءات الوافدة، وموضوع التستر والعمالة السائبة وكثرة الدكاكين والعمالة المنتشرة في الشوارع، ومراجعة اللوائح والأنظمة المتعلقة بسكن العمالة ومدى تطابقها مع المعايير الصحية ومع تفاصيل اللوائح والأنظمة المعتمدة. يتعين البحث عن الخلل وهل هو في التطبيق أو في الأنظمة نفسها. سؤال يتنظر الاجابة؟ المضار واضحة وهي اقتصادية وصحية وأمنية واجتماعية، وأخطاء تحولت مع الزمن وكأنها واقع مقبول غير قابل للتغيير، فكانت النتيجة تراكمات أدت إلى وضع يتطلب عمليات جراحية وليس معالجة بالمسكنات.

إن المطالبة بمراجعة كل ما يحيط بهذه القضية من أنظمة وإجراءات لا يعني العنصرية وإنما هو مطلب نظامي وتنظيمي يحفظ الحقوق والواجبات ويضمن توفر الشروط والمعايير الصحية والأمنية والاقتصادية. كل بلاد الدنيا فيها عمالة أجنبية، وفيها مخالفات لكن تحول شوارع كثيرة خاصة في المدن الكبيرة الى دكاكين هو ظاهرة لا توجد في كثير من المدن. تنظيم العمالة الأجنبية مطلب وطني وإداري غير قابل للتأجيل فقد تأخر بما فيه الكفاية. أما إذا كانت الأنظمة موجودة ولا تطبق فهذا تقصير وفشل توجه فيه المسؤولية الى الأجهزة الرقابية.

كل بلاد الدنيا لديهم عمالة وموظفين من خارج الوطن، ولهم حقوق وعليهم واجبات. نحن استقدمناهم لأعمال محددة، المشكلة كما أشرنا ليست في الاستقدام كمبدأ وحاجة، ولكن في المبالغة في هذا المسار، وفي العمالة غير النظامية، وفي معايير الاستقدام غير القوية. أحد جوانب المشكلة كما جاء في جريدة الرياض ليوم الأحد 17 رمضان هو في وجود 2.4 مليون أجنبي يقصون السعوديين من نشاط قطاع التجزئة. ماذا عن القطاعات الأخرى؟

هذه القضية بالغة الأهمية تدور حولها كثير من الأسئلة:

ما نتائج الخطط الوطنية للاستغناء تدريجياً عن العمالة غير السعودية واستبدالهم بالسعوديين؟

هل نحن بحاجة فعلية إلى الكم الهائل من الدكاكين المنتشرة في شوارعنا؟ وهل من حل تنظيمي للعمالة السائبة في الشوارع؟

أين يذهب خريجو المعاهد الفنية والمهنية؟

هل تقوم وزارة الموارد البشرية بدراسة نظام الكفالة ومدى ملاءمته للمرحلة الراهنة؟

هل يوجد خطة استراتيجية لسعودة المراكز القيادية في القطاع الخاص؟ وهل تلزم الشركات والمؤسسات ذات العقود الضخمة بتنفيذ برامج تدريب عملية للمواطنين لتحقيق هذا الهدف؟

مع استمرار الاستقدام للعمل في قطاعات مختلفة، كيف تتوفر فرص توظيف للمواطنين؟

هل يوجد تدريب على رأس العمل للمواطنين، وهل تأخذ الشركات والمؤسسات بهذا التوجه؟

هل العمالة الوافدة تأتي كاملة التأهيل والتدريب؟

ما القيمة المضافة لانتشار الدكاكين في شوارعنا؟

هل ستقوم الوزارات ذات العلاقة –بعد درس كورونا- بدراسة علمية شاملة لأوضاع العمالة تشمل الجوانب الأمنية والاقتصادية والمهنية والاجتماعية؟

نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات