عاجل

البث المباشر

نايف الأحمري

<p>إعلامي سعودي</p>

إعلامي سعودي

مذيع أخبار يواجه كورونا!

منذ اللحظة الأولى التي يستيقظ فيها من فراشه ذاهباً للاستحمام، مستعداً بعدها للبس بذلته الداكنة ولف ربطة العُنق المزعجة أحياناً وارتداء كمامته "سيف المواجهة" تأسياً بالعالم أجمع، لا يحضر في ذاكرته أن خاض مواجهة بهذه المراحل. تبدأ القصة الأولى من عتبة منزله، خوف يتجلى منذ مشاهدته لأزرار المصعد ولا ينتهي عند لمسه لمقبض سيارته، يصل إلى مقر العمل ويبدأ بمشاهدة الناس أمامه بعد عشرة أيام من الحجر في مسكنه، يحاول أن يبتعد عن كل اجتماع حوله في لحظة تُعلمه قيمة العناق. مازالت لعنة خوف أزرار المصاعد تلاحقه حتى مع تعقيمه عند بوابة المؤسسة، يصل إلى غرفة الأخبار يقابلُه هدوء وسكون قاتم، لا يرى سوى أعين الزملاء العاملين لأن ابتساماتهم تختبئ خلف كمامتهم، يحط في مكتبه لتبدأ رحلة تعقيم الأجهزة وملحقاتها، وريثما يستعد لقراءة نشرته والتحضير لضيوفها يقف بجانبه رجل أمن المؤسسة ليخبره أنه نزع كمامته دون مبرر، يعود لارتدائها مرة أخرى بعد أن نزعها في غرفة تصفيف الشعر. المواجهة الثانية تبدأ عند فتحه للجهاز وقراءة الأخبار التي سيسمعها المشاهدون على لسانه بعد جهد وبحث مضنٍ للمحررين ومنتجي النشرات ورؤساء التحرير عن قصص إخبارية وأرقام مليونية في الإصابات وآلاف الوفَيات وإغلاق مؤلم للسواد الأعظم من اقتصادات كبرى دول العالم، وانهيار أسعار النفط وتصريحات الساسة التي يشتبكون فيها مع بعضهم، وتحذيرات منظمة الصحة العالمية التي لا تدعو للتفاؤل وتداعيات اقتصادية ورياضية تبدأ ولا تنتهي.. بعدها يتحدث مع ضيوفه ومراسليه قبل الهواء ويلمس في أصواتهم اليأس من رحيل قريب لزائر لف العالم أجمع ببذلته الخضراء في أشهر قليلة مخلفاً جُرحا عميقاً لا يمكن أن يندمل، يغلق الهاتف ليستجمع قواه مرة أخرى ويذهب لإعداد كوب الشاي الساخن بنفسه ويتجه بعدها للاستديو.

وهنا جلس على كرسيه الأحمر مواجهاً كاميرات عديدة، ومن هناك ستبدأ المواجهةُ الثالثة التي لا تعنيه وحده بل تعني ملايين المشاهدين معه لينقل لهم جديد الضيف الخبيث مع ضيوفه الأعزاء، ولعل المشاهد يستمع لجواب المليون دولار عن موعد انتهاء كابوس الفيروس الشيطاني لتطمئن نفسه وتُبعث لروحه السكينة التي افتقدها منذ قضت شهور وأسابيع الزهور، لا يهم المشاهد أن يسمع الجواب الذي يريد من محلل سياسي أو طبيب مختص أو حتى مهاجم كرة قدم معتزل، فجميعهم لا يقوى على الإجابة الآن.

ينتقل بعدها لمراسليه الذين جابوا العالم لنقل الصورة من دول انهارت أنظمتها الصحية وأخرى استسلمت لواقع 2020 وأصبحت مدنها حالكة الظلام وشوارعها خالية من السكان، لكن المستشفيات والمحاجر الصحية في بعض هذه الدول مكتظة بضحايا كورونا، ينقل المراسلون قصص الناس وواقعهم الجديد والطويل، كل هذا الجُهد بلا مطارات ولا قطارات ولا باخرات.. ينتهي الموعد الإخباري الذي لم يتخيل قبله وبعده أن يكون طاحن البشرية بلا طائرات وأسلحة خفيفة أو ثقيلة ولا حتى نووية أو مشاريع استعمارية، لا يَرى ولا يُرى ولا يسمع ولا يُسمع ولا يتكلم ولا يُكلم لكنه يبصر طريقه لجسد الإنسان دون أن يبصره هو أحد بعينه المجردة.. المواجهة الأخيرة ليست له لأنه يعيش بمفرده بعيداً عن أسرته وزوجته وأصدقاء طفولته، لا شيء يخشى عليه إذاً أكثر من نفسه.. هذه المواجهة المجهولة أبطالها زميلاته وزملاؤه الذين يعيشون ظروفاً استثنائية وسط أُسرهم وأطفالهم ويخشون عليهم بعد عودتهم لمنازلهم من تسلل كورونا لزوايا غرف عائلاتهم لأنهم بكل تفانٍ وإخلاص في الخط الأول لرحى المواجهات الأربع اليومية مع جائحة كورونا.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات