عاجل

البث المباشر

عبد المنعم سعيد

كاتب ومفكر مصري

كاتب ومفكر مصري

عدم الانحياز مرة أخرى

عندما يتحدث السفير والوزير والأمين العام عمرو موسى فعليك أن تنصت جيدا، وعندما يكتب فعليك أن تأخذه بالجدية التى يستحقها تاريخ طويل من العمل الدبلوماسى والسياسى. وقبل أيام كتب مقالا فى صحيفة الشرق الأوسط الغراء ذكر فيه أن العالم بعد أزمة الكورونا الراهنة سوف ينحو فى اتجاه أولا الاستقطاب بين القوى العظمى، وثانيا أن من يستحقون هما الولايات المتحدة والصين؛ وثالثا أن المرجح أنهما فى علاقاتهما سوف ينحون فى اتجاه حرب باردة جديدة؛ ورابعا أنه لما كان ذلك هو كذلك فإنه من المتاح لمصر خيار اتباع سياسة عدم الانحياز، معتمدة فى ذلك على قاعدة مجموعة الدول الـ٧٧ التى تضم الدول الأقل نموا فى العالم؛ وخامسا- محذرا- أن الحرب هذه المرة بين دولتين وليس بين تكتلين من الدول، فلا أمريكا لديها حلف الأطلنطى ولا الصين لديها حلف وارسو. الصراع الآن لم يبدأ مع الأزمة فقد كانت الحرب قائمة قبلها، وزادته «كوفيد-١٩» حدة بما تبادلته الدولتان من اتهامات حول من كان سببا فى انتشار المرض، وكيف تعاملت كلاهما معه. مرض القطبية الثنائية المتوقع يتطلب مجموعة تحتاج لزيادة نصيب دولها من الكعكة العالمية التى تأخرت فى مشاركتها فيها، وفى الوقت ذاته ترطيب الأجواء الدولية بحيث لا تنفرط المؤسسات بفعل الخلاف وتناقض المصالح وسباق التسلح واستخدامات التكنولوجيا فيما يضر وليس ما ينفع. مصر ومجموعة الدول العربية ليست جديدة على هذه الحالة، فقد عاشتها من قبل خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، وكانت وسيلتها فى التأثير الدولى لصالح قضاياها الحيوية خاصة الصراع العربى الإسرائيلى.

الفكرة لا شك مغرية، لأنها تستدعى لحظة مضيئة من التاريخ المصرى المعاصر نجحت فيه مصر فى الحصول على القمح والمعونات الأمريكية والسلاح السوفيتى فى نفس الوقت، بينما تحصد قدرا غير قليل من الأصوات المؤيدة فى المحافل الدولية. ولكن الفكرة عندما برزت كان لها ما سبقها من تكوين التجمع الآسيوى الإفريقى، وإعلان سياسة «الحياد الإيجابى»، وتكوين نوع من التحالف الأخلاقى من ثلاث دول: مصر والهند ويوغسلافيا بثلاث قيادات تاريخية هى جمال عبدالناصر، وجواهر لال نهرو، وجوزيف بروز تيتو. والحقيقة أنه كان للسياسة جذورها عندما وقفت مصر موقفا محايدا أثناء الحرب الكورية؛ والمواقف الشعبية المصرية أثناء الحرب العالمية الثانية التى رأت أنه لا ينبغى لمصر أن تدخل فى حرب لا ناقة لها ولا جمل. الاستدعاء للتاريخ يحتم التعرف على ما نجم عن السياسة، ولو جزئيا، من نتائج فقد واجهت مصر هزيمة يونيو ١٩٦٧، وتمزقت يوغوسلافيا كما نعرف، أما الهند فقد تأخرت قفزتها التنموية وراء الصين عندما بدأت فى الإصلاح الداخلى عام ١٩٩٢ بينما بدأت الأخيرة فى ١٩٧٨. فى الحرب الباردة الجديدة لن تكون الهند قابلة بأن تكون الصين واحدة من طرفى الحرب الباردة وهى تكون غير منحازة بين الطرفين الأمريكى والصينى فى العلاقات الدولية. دلهى سوف تسعى لكى تكون قوة عظمى أخرى فى العالم.

المثال الهندى ينطبق على الكثيرين من الدول النامية، وعندما تحالفت فإنها سعت لكى تكون جزءا من مجموعة الدول التى فى الوقت الراهن من الدول المتوسطة، «بريكس» أو البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا. الآن تغير العالم وتفوقت الصين على المجموعة وباتت تناطح قطبا دوليا هو الولايات المتحدة على الأرجح سوف يدفع الدول الأخرى إلى اتباع المثال. النقطة المثارة هنا أن دول العالم المتوسطة أو النامية حتى ولو كانت عضوا فى مجموعة الـ٧٧، هى فى حقيقتها تنتمى إلى عالم آخر من التفاعلات السياسية، بما فيها من قوة عسكرية واقتصاد ونفوذ فى النظام العالمى عما كان عليه الحال من قبل. والنقطة الأخرى والتى لا تقل أهمية أن العلاقات الأمريكية الصينية لا تحتوى فقط على التناقضات التى نعرفها، والتى توقع بعض المحللين الغربيين ومنهم أمريكيون على أنها يمكن أن تؤدى إلى حروب بالوكالة على الأرجح بمنطق الحرب الباردة؛ وإنما أيضا على درجة هائلة من الاعتماد المتبادل تجعلها بعيدة عن الحرب الباردة التى نعرفها. الولايات المتحدة هى أكبر الأسواق الصينية فى العالم، ولدى بكين تريليونين من الدولارات فى احتياطى ينافس ما لدى بنك الاحتياط الفيدرالى الأمريكى؛ وفوقها أكثر من تريليون دولار من أذون الخزانة الأمريكية. أمريكا هى مصدر وحافز رئيسى للتكنولوجيات المتقدمة الصينية، ومقصد لتعليم مئات الألوف من الطلبة الصينيين؛ والصين هى الحلقة الرئيسية فى سلاسل الإنتاج الأمريكية. كيف يكون عدم الانحياز فى هذه الحالة؟

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات