عاجل

البث المباشر

إميل أمين

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

عن كورونا وتصاعد المد العنصري

مثير وغريب، بل وعجيب شأن البشر على كوكب الأرض، في حاضرات أيامنا، ذلك أن ما يتعرضون له من مجهول، يتمثل في فيروس كورونا المستجد، يقتضي منهم حالة غير مسبوقة من الاتحاد وتضافر الجهود، بهدف رئيس هو مواجهة والتغلب على هذا الكائن الشائن الذي أصاب نحو خمسة ملايين نسمة حتى الساعة، وتجاوزت أعداد الوفيات الثلاث مئة ألف، موزعين على قارات الأرض الست، أي أنه لم يعد يخلو مكان من الخسائر في الأرواح والممتلكات، ما يفيد بأن الكارثة واحدة، والهول الأعظم مشترك، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

في هذا السياق يضحى من المستغرب إلى أبعد حد ومد أن يتعاظم حديث العنصرية، ويبقى من المؤلم أن يطفو شأن القبليات والعرقيات مرة أخرى، لا سيما في الدول التي تجاهر وتفاخر بدفاعها عن حقوق الإنسان، لكن من الواضح أن النظرية شي والتطبيق شيء آخر.

عدة منعطفات جرت بها المقادير مؤخرا تدلل على أن كورونا قد أحيت المشاعر العنصرية، تجاه الآسيويين بنوع عام، وأصحاب الأصول الصينية بصورة خاصة، حدث ذلك في أوروبا وأميركا على حد سواء.

يعن لنا أن نتساءل: هل هذه الحالة من العنصرية لها سابقة تاريخية ما؟

بالرجوع إلى زمن الحرب العالمية الثانية يتذكر العالم والأميركيون معا ما الذي جرى للأميركيين من أصل آسيوي من جهة، واليابانيين منهم من ناحية ثانية، فقد اعتبر كل ياباني إرهابيا، وتم تجميع اليابانيين في معسكرات خاصة بهم، تحيط بها الأسلاك الشائكة العالية، وتطلب الأمر عدة عقود كي يعاد دمج اليابانيين مرة أخرى في صفوف الأميركيين، بعد ان كانت أحداث هجوم الطيران الياباني على ميناء بيرل هاربور قد هدأت جذوتها في عقول الأميركيين.

هل يعيد التاريخ نفسه في زمن كورونا؟

يبدو أن الامر هذه المرة غير قاصر على الولايات المتحدة الأميركية فحسب، بل ينتشر كذلك في أوروبا وهناك سلسلة من الحوادث التي يقف وراءها اليمين القومي الأميركي تدلل على أن الأوروبيين يسيرون في نفس خطى الأنظمة التوتاليتارية الأوروبية قبل الحرب العالمية الثانية بنوع مؤكد.

الحديث هنا يدور في ألمانيا بنوع متميز، لا سيما أنها قلب الاقتصاد الأوروبي وماكينة وقاطرة الأوروبيين الصناعية والمالية، وهناك كذلك الجماعات اليمينية المتشددة إلى حد التطرف، مثل حزب البديل من أجل المانيا، وحركة بيغيدا وغيرها من الجماعات العنصرية.

يحاجج هؤلاء العنصريون في الوقت الحاضر بأن الصينيين هم السبب الأكبر في الخسائر البشرية والمادية التي أصيبت بها أوروبا، والالمان بنوع خاص لديهم قناعات بأن الصينيين وعبر تلكؤ مقصود تأخروا في الإعلان عن الوباء، ما جعله ينتشر في القارة الأوروبية، الجار الأقرب للصين.

إضافة إلى ما تقدم فإن هناك بعدا آخر يجعل الصين في موقف حرج أمام الألمان ويزيد من تعقيد المشهد، ذلك أن الاستخبارات الخارجية الألمانية تتحدث عن أدلة على تواصل ما جرى بين الرئيس الصيني ورئيس منظمة الصحة العالمية أدى إلى تأخير الإعلان عن تفشي الوباء في ووهان.

ما حدث في ألمانيا يبين حقا أن العنصرية في زمن كورونا يمكن أن يضحى لها موقع وموقع متقدم بشكل كبير، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أعلن أحد كبار الطهاة المعروفين في مدينة "دوسلدورف" الألمانية، عن أن الصينيين غير مرغوب فيهم في مطعمه بعد أن أعاد فتحه بشكل جزئي.

المثير هنا أن الطاهي فرنسي الجنسية وأن زوجته آسيوية ويعمل في مطعمه نحو تسع جنسيات، فهل هذا يمكن اعتباره مؤشرا على عنصرية قائمة وقادمة ضد الآسيويين عموما والصينيين خاصة في أوروبا؟

دعونا نتذكر أن هناك الآن أصواتا في كل من ألمانيا وفرنسا، والثانية هي العقل السياسي المحرك لأوروبا، يطالب بأن تدفع الصين تعويضات مالية تصل إلى مليارات الدولارات إلى الأوربيين من أجل تعويضهم عما لحق بهم من خسائر، ما يعني أن موجة العنصرية في أوروبا سوف تزداد، ولن يضحى العرب أو المسلمون فقط هم الهدف المنشود من جراء تلك الأحداث العنصرية، بل أبناء جنسيات وشعوب أخرى.

ماذا عن الولايات المتحدة الأميركية وما يحدث على أراضيها، لا سيما أن أكبر خسائر بشرية ومادية حدثت في أميركا حتى الآن بعد وفاة 85 ألف شخص وهناك أرقام تقول بان العدد الإجمالي ربما يصل إلى 150 ألفا في أغسطس القادم، أما الأموال فخسائر أميركا بشأنها بضعة تريليونات، قد تؤدي غلى تراجع أميركا إلى الوراء كثيرا جدا على الصعيد الاقتصادي؟

يمكن القطع بأن الآسيويين قد تغيرت أوضاعهم وتبدلت طباعهم كثيرا جدا في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وتجاوزوا المحنة، هذا على صعيد اليابانيين، أما الصينيون فقد بلغوا شأنا عاليا جدا على صعيد الاستثمارات والنجاحات في الداخل الأميركي، ويكفي الزائر إلى جزيرة مانهاتن الشهيرة في مدينة نيويورك، تفاحة العولمة الأميركية، أن يزور منطقة "تشينا تاون"، المنطقة الصينية من بابها إلى محرابها هناك ليدرك كيف بلغ الحضور الصيني في الداخل الأميركي أفقا غير مسبوق، فهل بات كل هذا مهددا الآن؟

هناك من يقطع بأن اليمين الأوروبي هو رجع صدى لنظيره الأميركي، سيما أن أوروبا معروفة بعلمانيتها، وأميركا مشهورة بإغراقها في الهوى والهوس الديني مرة وإلى ما شاء الله.

معنى ذلك أن اليمين الأميركي سوف يضحى أشد ضراوة في الداخل الأميركي تجاه الصينيين وهو ما تتبلور مشاهده يوما وراء الآخر على صعيدين:

أولا: الصعيد الحكومي الرسمي، فقد رأينا مجلس الشيوخ وباجماع كبير يمضي في طريق المزيد من القرارات التي تفرض عقوبات على الصين، وبلغ الأمر حد ان الرئيس ترمب قال في لقاء له على شبكة فوكس نيوز ان احتمالات قطع العلاقات مع الصين واردة وبقوة، عقابا لها عما فعلته من تسريب لفيروس كورونا، وسواء كان ذلك بقصد أو من غير قصد.

ثانيا: وهذا هو الجزء الأكثر خطورة، وهو الصعيد الشعبي، والذي يلعب فيه المتطرفون الأميركيون من دعاة العنصرية القومية، والتمايز العرقي دورا مؤججا للاضطرابات، حيث يصبح من الوارد اللجوء الى العنف المسلح في التعاطي مع الصينيين أو غيرهم من الآسيويين باعتبارهم ناقلي كورونا الى البلاد.

هنا يفهم المرء لماذا كان الإقبال من الأميركيين الآسيويين على محال بيع الأسلحة في الداخل الأميركي غير مسبوق في الشهرين الماضيين، إذ بدا أن الخوف العرقي يدفع الآسيويين في هذا الطريق، وحتى يضمنوا الحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم.

الخلاصة.. العنصرية أوروبية أو أميركية لا يمكن أن تفيد.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات