عاجل

البث المباشر

علي العميم

<p>باحث سعودي</p>

باحث سعودي

الشيخ العراقي المحدث والشيخ التونسي العتيق

عيب رواية طه جابر العلواني أنه صاغها بطريقة ميلودرامية.
فبحسب روايته، بعد أن قدَّم شيخ الأزهر محمد الخضر حسين استقالته، لما تعالت الأصوات في كليات الأزهر لتمصير الأزهر وإقالة آخر شيخ من خارج مصر من المشيخة، راح يتساءل: «هل عليَّ أن أستمر حتى أتخرج في الأزهر؟ أم علي أن أعود إلى بلادي؛ حيث العلماء الكبار الذين غادرتهم أمثال الشيخ الزهاوي والألوسي وسواهم؟ وما أهمية الشهادة الجامعية إذا كان الهدف هو العلم؟».
ويختم روايته قائلاً: «في هذه الحيرة وجدتني مشوقاً لزيارة الشيخ الغزالي واستشارته، فذهبت إليه عصر يوم، فوجدته وصديق عمره الشيخ سيد سابق يتجاذبان أطراف الحديث. لم يكن أي منهما يعرفني معرفة شخصية، فقدمت نفسي إليهما موضحاً أنني طالب علم حضر من بلاده منجذباً نحو سمعة الأزهر ومكانته... وأنني كنت أتوقع أنني سأجدهما وأمثالهما من بين من يدرسُّوني، وأنال شرف التلمذة عليهم؛ لكنني فوجئت بغير ذلك. وبعد حوار قصير أكد الشيخان وجوب الاستمرار في الدراسة، وعدم الالتفات إلى تلك الأمور الصغيرة التي شكوت منها، أو تضخيمها، وأن عليَّ الاستفادة من الإيجابيات الكثيرة الموجودة، فأعادت تلك الزيارة إلى نفسي الثقة والسكينة».
المبالغة في أن السبب الذي ذكره لاستقالة محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر، دفعه إلى التفكير في قطع دراسته بالأزهر والعودة إلى بلاده. وكأنه لا يعلم أيضاً أن هذه النزعة القومية المصرية إلى حد التعصب هي الاتجاه السائد في مصر في ذلك الوقت منذ عشرينات القرن الماضي. وهذه النزعة موجودة حتى لدى تيارات لا ترفع شعار القومية المصرية. ولبعث شيء من الأسى والحزن عند القارئ، قال عبارة غير دقيقة، وهي: «إقالة آخر شيخ من خارج مصر من المشيخة»، وكأن هناك مشايخ من خارج مصر تولوا مشيخة الأزهر قبل محمد الخضر حسين. والصحيح أنه أول وآخر شيخ من خارج مصر تولى منصب شيخ الأزهر. ولا أهمية لما صار يقال في سنوات متأخرة من أن الشيخ حسن العطار (1766- 1835) سبقه في ذلك. فهذا الشيخ أسرته من أصل مغاربي، وإن بحثنا في الأصول والجذور فسنجد أعلاماً كثراً هم من أصول وجذور غير مصرية، والتي قد تكون قريبة أو قد تكون بعيدة.
بينما الشيخ محمد الخضر حسين لجأ إلى مصر، احتماءً بها من ملاحقة الفرنسيين له وعمره في منتصف الأربعينات، وكان معلوماً لدى الخاصة في مصر وسوريا وفي بلدان شمال أفريقيا من معاصريه في المنتصف الأول من القرن الماضي أنه تونسي، وكان معلوماً لدى البعض منهم أنه تونسي جزائري. وأشك في أنه كان يتحدث باللهجة المصرية أو باللهجة المصرية الصافية، رغم حصوله على الجنسية المصرية.
ويعيب رواية طه جابر العلواني اختزال المشهد السياسي الذي قدَّم في ظله محمد الخضر حسين استقالته في مشهد واحد، هو قوله: «كانت الأزمة بين نظام الرئيس عبد الناصر وجماعة (الإخوان) في أوجها آنذاك...»، فأغفل مشهداً آخراً، وهو الصراع بين مجموعتين في مجلس قيادة الثورة: مجموعة على رأسها عبد الناصر ومجموعة على رأسها محمد نجيب. ومحمد الخضر حسين قدم استقالته إلى محمد نجيب وليس إلى عبد الناصر؛ لأن الأول آنذاك كان هو رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة.
وقبل احتدام الصراع بين عبد الناصر و«الإخوان المسلمين» وفي أثنائه، كان عبد الناصر يستخدم «الإخوان المسلمين» في صراعه مع محمد نجيب. ومحمد نجيب كان يستخدمهم في صراعه مع عبد الناصر. و«الإخوان المسلمون» استجابوا لهذين الاستخدامين المتضادين والمتناقضين، على أمل أن يقضي كل واحد منهما على الآخر، مما يفتح لهما الباب للاستيلاء على السلطة. وكان الخاسر في هذه اللعبة السياسية هم ومحمد نجيب. هذا هو المشهد السيسي في عهد تولي محمد الخضر حسين لمشيخة الأزهر.
في روايته، اتهم طه جابر العلواني مظاهرة طلاب الأزهر التي تهتف بوجوب تخلي محمد الخضر حسين عن مشيخة الأزهر، اتهمها بأنها يقودها بعض المحسوبين على النظام. والنظام مع أنه كان في ذلك الوقت نظاماً منقسماً على نفسه، فإنه وبحسب روايته، هو نظام موحد بقيادة عبد الناصر.
السؤال المنطقي والواقعي في الوقت عينه: ما الجدوى في أن يشكو هذا الأمر للشيخ محمد الغزالي، والغزالي ومعه الشيخ سيد سابق كانا من المحسوبين على النظام. وتحديداً عبد الناصر! وبما أنه ساخط على عبد الناصر إلى هذا الحد، لماذا لم يُذكِّرنا بهذه الواقعة القديمة التي هو شاهد عليها، لضرورة فنية – على الأقل – فلو ذكَّرنا بها لبلغت الميلودرامية في روايته الذروة في المأساوية والفجائعية؟!
ما هو غير مفهوم سبب لجوء النظام أو مجلس قيادة الثورة المنقسم على نفسه لتدبير مظاهرة أزهرية طلابية، تطالب بإقالة محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر، للضغط عليه من أجل أن يقدم استقالته. فهذا المجلس هو الذي عينه شيخاً للأزهر، وبإمكانه أن يقيله أو أن يطلب منه مباشرة تقديم استقالته. وهناك سوابق لمثل هذا القرار في العهد الملكي، في الفترة الممتدة من عام 1945 إلى عام 1952.
قد يقول قائل: إن عبد الناصر ومجموعته من الضباط الأحرار هم الذين كانوا يرغبون في إقالته، والرئيس محمد نجيب كان لا يرغب في ذلك، فلذلك لجأوا إلى ذلك الأسلوب الملتوي والمتبع أيام الحياة الحزبية البرلمانية في مصر. يوهن شيئاً ما هذا القول، أن الرئيس محمد نجيب قبل باستقالته فوراً لما قدمها له، ولم يرفضها أو يطلب منه أن يؤجلها، كما فعل ذلك الملك فاروق مع شيخ الأزهر مصطفى المراغي حين قدم استقالته إليه، بطلب من مصطفى النحاس الذي فور توليه منصب رئيس الوزراء في عام 1942، طلب منه أن يستقيل قبل أن يتسبب هو وحزبه، حزب الوفد، في إحداث ثورة أزهرية طلابية عليه، انتقاماً منه للتسبب في خسارته انتخابات عام 1938، حين حث طلاب الأزهر على التصويت لحزب الأحرار الدستوريين.
إن تعيين محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر بالإجماع ومن كل التيارات كان أمراً مفاجئاً. لسببين: الأول لتونسيته. والثاني، أنه لم يسعَ إلى الحصول على هذا المنصب، فكل الذين تولوا هذا المنصب قبله في تاريخ الأزهر كانوا يسعون إلى نيله.
وفي الأزهر قبل أن يتولى محمد الخضر حسين منصب مشيخته، وبعد أن تولاه، وإلى يومنا هذا، كان يتولاه مصريون. ومع هذا لم يحدث هذا «الخط الفاصل بين انتماء الأزهر الإسلامي العالمي وانتمائه الإقليمي».
فهذا حكم مرسل قال طه جابر العلواني به، لخصومه إخوانية مع عبد الناصر.
إنْ كان طه جابر العلواني صدق فيما نقله عن محمد الخضر حسين، من أنه قال: «لم أتوقع من أبناء الأزهر أن يلجأوا إلى مثل هذه الأساليب، أو تبلغ الجرأة بهم على شيوخهم هذا المدى»، فهذا تعجب في غير محله.
فالشيخ محمد الخضر حسين عايش عن قرب فترتين من مشيخة الأزهر: فترة محمد الأحمدي الظواهري، وفترة مصطفى المراغي. فلقد عانى هذان الشيخان من ثورة طلاب الأزهر عليهما أهوالاً وأذى عظيماً. وإذا ما قارنَّا ما مر به بما مرَّا هما به، يعتبر ما مر هو به برداً وسلاماً.
يقول الدكتور فخر الدين الأحمدي الظواهري، في المذكرات التي أملاها عليه أبوه الشيخ محمد الأحمدي الظواهري: «لقد تعرض شيخان من شيوخ الأزهر في العهد الأخير إلى كثير من المتاعب من جراء هذا القانون (يقصد قانون رقم 15 لسنة 1927. وهو القانون الذي يشرك الحكومة مع الملك في تعيين الرؤساء الدينيين). ولقد تعرض كلاهما إلى عنت من بعض الحكومات في زمن كل منهما، بسبب اختلافهما مع هذه الحكومات في الرأي. أما هذان الشيخان فهما الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، والآخر الشيخ مصطفى المراغي، فقد قامت ضد الأول ثورة أزهرية في سنة 1935، وقامت ضد الآخر ثورة أزهرية سنة 1943، واستمرت إلى سنة 1944. وكانت حوادثهما وظروفهما متشابهة؛ بل إن الشيخ المراغي تعرض إلى ما لم يتعرض له الشيخ الظواهري، فقد اقتحم الطلبة مكتبه في حضوره، وكانوا قد اقتحموا مكتب الشيخ الظواهري في غيبته. كما أن عدداً من الطلبة والبوليس جُرح وقتل في مرَّة الشيخ المراغي».
وإذا ما عدنا إلى تاريخ الأزهر ما بين فترة شيخه محمد النشرتي (1694– 1709) وفترة شيخه سليم البشري الأولى (1899– 1903) فسنجد حوادث مشابهة دوّنها الشيخ سليمان رصد الحنفي في كتابه «كنز الجوهر في تاريخ الأزهر» الصادر في عام 1902.
ومن بين هذه الحوادث التي دونها النزاع على مشيخة الأزهر، وقد ذكر حادثتين لجسامتهما. وهناك حوادث أخرى لم يدونها لأنها لم تكن ذات خطر على الأزهر. ويعرفها المطلعون على تاريخ محمد علي باشا وعلى تاريخ سلالته من بعده.
الشيخ محمد الأحمدي الظواهري قص علينا مكائد تعرض لها منذ أن كان مدرساً في معهد طنطا من قبل رؤسائه المشايخ. ومن هؤلاء مشايخ كبار. وأحد هؤلاء الكبار شيخ الأزهر أبو الفضل الجيزاوي.
وثورات طلاب الأزهر لها أسباب متعددة. منها ما تكون بمحفز ذاتي يتعلق بمعاشهم وأرزاقهم، ومنها ما يكونون فيها أداة تحريض، ومنها ما يكون فيها هذان الأمران معاً.
استناداً إلى ما تقدم، فقد يكون المحرك للتظاهرة ضد شيخ الأزهر التونسي بعض مشايخ الأزهر الذين كانوا يتطلعون إلى هذا المنصب. والشعور القومي الإقليمي عند طلبة الأزهر المصريين، كما بقية المصريين، حاضر وجاهز، ولا يحتاج إلى جهد في الإنعاش أو النفخ.
وإذا ما صح هذا الاحتمال، فإن الهتاف الإقليمي الذي رفع في التظاهرة ضد شيخ الأزهر التونسي كان وسيلة، ولم يكن غاية بذاتها.
وللحديث بقية.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة