عاجل

البث المباشر

لبنان.. المقاومون "الحقيقيون" في صلب " 17 تشرين"

يحتفل لبنان في 25 مايو (أيار) من كل عام بـ"عيد المقاومة والتحرير" حين اندحرت قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 2000 من معظم الأراضي اللبنانية التي احتلتها عام 1978. وكان التحرير قد بدأ بانسحاب الإسرائيليين والميلشيات التابعة لهم (ميليشيا لحد) في 21 مايو واكتمل ليل 24 مايو، باستثناء بلدة "كفرشوبا" و"مزارع شبعا" اللتين يستمر اللغط حول "لبنانيتهما" من عدمه. وفيما لم تبرز سوريا خرائطها أمام الأمم المتحدة على مدار عقود، يبقى هذان الموقعان "شمّاعة" لحزب الله وسلاحه تحت حجة "المقاومة" لاسترجاعهما. وفي مثل هذا التاريخ، لا بد من طرح بعض الأسئلة من وحي المناسبة: هل لا يزال حزب الله "مقاومة" أم تحوّل إلى ميليشيا؟ هل مصير "المقاومة" كمصير الحركات المقاومة عبر التاريخ والتي تحوّلت لـ"الجريمة المنظمة"؟ وهل "المقاومة" في لبنان حكر على حزب الله أم على الجيش الللبناني؟

في ذكرى "المقاومة والتحرير" نتذكّر انتفاضة 17 تشرين التي خرج فيها اللبنانيون ضد الطبقة الحاكمة "مقاومين" هيمنتها على ماضيهم، وبهدف "تحرير" مستقبلهم منها. خلال هذه الانتفاضة، بنى اللبنانيون جسراً بشريا وطنيا من شمال لبنان إلى جنوبه وبقاعه مع اختلاف مذاهبهم وطوائفهم. تعرّف اللبنانيون إلى بعضهم واستمعوا للآخر وكشفوا اللعبة السياسية التي كانوا ضحيتها. رأبوا الصدع الذي حفره الساسة على مدار عقود والذي انتهى بهيمنة حزب الله على القرار الداخلي حين أمّن غطاء "الفساد" حيناً واستغلّ الفساد أحيانا ليحكم لبنان وفق أجندة إيرانية، يقرّ بها جهاراً.

بعد أقل من شهرين على انتفاضة 17 تشرين، تعرّفتُ إلى "المقاومة" عن كثب وعلى أبطالها الحقيقيين بعيداً من احتكار حزب الله لها. يومها، توجّهتُ إلى أقصى الجنوب اللبناني وتحديدا إلى صور والنبطية حيث كانت ترتفع أعلام حزب الله وصوَرَ المرشد الإيراني تحت سلطة "الأمر الواقع". كانت المرة الأولى ـ منذ حرب تموز 2006 ـ التي تصل فيها كاميرا "الحدث" و"العربية" إلى هذه المناطق اللبنانية. شعرتُ يومها بـ"انتصار" للبنانيّتي بعد أن كان "حزب الله" قد قطع الأوصال بيننا، عندما احتكر "المقاومة" وفصّلها على مقاسات أجنداته، خوّن هذا وأعطى "براءة ذمة" لذاك.. وفرّق بين اللبنانيين وقطع الجسور بينهم، قبل أن نعود ونبنيها في نهاية عام 2019. وإلى جانب عملي الصحافي هناك في أواخر نوفمبر 2019، بنيت علاقات ودّية وصداقات متينة وأجريت أحاديث بناءة وعميقة. لم تكن المهمة الصحافية سهلة تحت أعلام حزب الله وصور خامنئي إلا أنها كانت "آمنة" لكوني بضيافة "المقاومين الحقيقيين" الذين انتفضوا ضد الفساد ورعاته، وبينهم كثيرون ممن قطعوا صلاتهم بحزب الله. وهنا المفارقة! ولنعد بالتاريخ إلى اجتياح بيروت عام 1982، حين كان المقاومون الحقيقيون في لبنان ضد إسرائيل متمثلين من كل المذاهب، انضووا تحت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (انطلقت من منزل كمال جنبلاط بقيادة جورج حاوي ومحسن ابراهيم). وخلاصة القول، فإنّ "المقاومة" لم تكن يوماً بمبادرة من حزب الله ولن تبقى حكراً عليه. التمست من هذه الرحلة الصحافية إلى الجنوب اللبناني شيئين: صرخات من القبور تتجلّى بعوائل من سقطوا دفاعاً عن لبنان بين عامي 1982 - 2000، وصرخات في الشوارع ممن نجوَا من هذه الحروب ويرَون أنّ صبغة المقاومة لم تعد تليق براية حزب الله التي يرفعها في ساحات القتال في سوريا والعراق واليمن كميليشيا بعيداً عن المصلحة الوطنية اللبنانية التي قاوموا الاحتلال من أجلها. في 17 تشرين وما بعده، شكّل المقاومون الحقيقيون امتداداً جنوبياً للتظاهرات اللبنانية المطالبة بـ"دولة قادرة" تؤمّن المواطنيّة داخليا مع ما يترافق معها من حقوق وواجبات، وتعيد لبنان إلى حضنه العربي بعيدا عن أي عزف على وتر مشروع إقليمي مشبوه.

هنا، لا بدّ من التفرقة بين "المقاومة" من جهة، و"الميليشيا" و"الجريمة المنظمة" من جهة أخرى. ولا بد لحزب الله أن يتعظ من دروس التاريخ. كيف انتهت مثلا "المقاومة" في اوروبا؟ وكيف انتهى "النضال الثوري" في أميركا اللاتينية؟
خلال الحرب العالمية الثانية، إضطلعت أحزاب أوروبية (فرنسية وإيطالية وإسبانية وصربية وكرواتية وتشيكية ومجرية ورومانية وبلغارية وروسية) بدور مهم وانخرطت في مقاومة الاحتلال النازي الألماني والسيطرة الفاشية الإيطالية. وفي النصف الثاني من القرن العشرين استعر نضال شعوب أميركا اللاتينية لا سيما في نيكاراغوا وكولومبيا وتشيلي وبناما والارجنتين. لاحقا، تحوّلت المقاومة الأوروبية والثورات اللاتينية إلى "الجريمة المنظمة " من خلال استعمال السلاح للخطف والتفجير والاغتيال وفرض الخوات والتهريب والاتجار بالممنوعات و"تأجير البندقية"... وأدّت هذه الممارسات بهذه القوى إلى الزوال أو إلى السجون الدولية كما جرى مع زعيم كارتلات المخدرات بابلو أسكوبار أو ديكتاتور باناما مانويل نورييغا.

بالموازاة، يستمر حزب الله - بحجة تمويل مقاومته - بتأجير بندقيته وعناصره لإيران، وبإلغاء الفوارق بين الدولة والدويلة في لبنان، وإباحة التهريب والاتجار بالممنوعات وإدارة عمليات غسل الاموال وتبييضها واندماج شبكاته وعناصره بـ"الجريمة المنظمة". وسط هذه الممارسات، تتفاقم انتقادات بيئة "المقاومة" اللاذعة ضد حزب الله. يرى أبناء هذه البيئة بأمّ العين حياة الرفاهية والبذخ التي يعيشها قادة حزب الله على حسابهم وحساب كل اللبنانيين. أمّا إيران، فتستفيد من تزاوج حزب الله مع "الجريمة المنظمة" لتستغل إمكانياته للتهريب (النفط والمعادن النادرة والتكنولوجيا الحديثة وغيرها.. ) وكلّ ذلك لما فيه من مصلحة إيران ومنافع قادة حزب الله وممارسات يرى المقاومون الحقيقون إنها ضربت "روحية" المقاومة.
أخيرا وليس آخرا.. يحتفل لبنان والمقاومون الحقيقيون بذكرى "المقاومة والتحرير" فيما حزب الله بات خارج المعادلة الوطنية مع تحوّله إلى ميليشيا واندماجه بـ"الجريمة المنظمة" لمصالحه ولتحقيق الأهداف الإيرانية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات