عاجل

البث المباشر

عبد الله المطيري

<p>كاتب سعودي</p>

كاتب سعودي

تمكين السعوديين فلسفيا

تمكين السعوديين هدف أساسي في الرؤية الأساسية التي تتحرك فيها مشاريع التنمية في المملكة العربية السعودية بدعم مباشر من القيادة الكريمة. هذا الهدف من الأهداف الكبرى الشاملة التي لا تسعى للتحقق في مجال واحد دون بقية المجالات وبالتالي فمن المهم تتبع تحققات التمكين في كل مجالات فعالية الإنسان السعودي في الداخل والخارج. لكن قبل الدخول في المجال الذي يُعنى به هذا المقال تحديدا، لا بد من العودة للتفكير في مفهوم التمكين أصلا. التمكين في جوهره إعادة ترتيب العلاقة بين الفرد والعالم من حوله بحيث يتحول من فرد مستقبل وسلبي ومتلقٍ إلى فرد فاعل ومشارك. التمكين بهذا المعنى دور جديد يتميز بالمبادرة والثقة. هذا التغيير في العلاقة بين الفرد والعالم من حوله هو لب فكرة التمكين التي تسعى لبث روح من الطاقة والفاعلية داخل المجتمع السعودي لإتاحة المجال لإمكاناته في الظهور والتفاعل.

هذا المقال مخصص للتمكين في الجانب الفلسفي في السعودية. الفلسفة في السعودية فضاء حيوي ومتفاعل وجذاب للكثير خصوصا من الشباب والشابات ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة في وسائل التواصل الاجتماعية. هذا الحال جاء بعد خروج السعودية من سنين طويلة من إغلاق الفضاء العام في وجه الطرح الفلسفي. السنوات الأخيرة شهدت حراكا فاعلا في مجال الأنشطة الفلسفية وتوافق مع هذا النشاط تطلعات لمزيد من التنظيم والدعم والتمكين الفلسفي للسعوديين. لكن لا بد التمييز بين نوعين أساسيين من الأنشطة والمشاريع الفلسفية وما يرتبط بها من تمكين السعوديين فلسفيا وتمكين الفلسفة سعوديا. النوع الأول من الأنشطة والمشاريع ينظر للسعودي على أنه مستهلك للفلسفة ويتعامل معه على هذا الأساس ويبني مشاريعه على هذه العلاقة. هذه المشاريع تجارية بطبعها وتتعامل مع السعودية كسوق والفلسفة كسلعة والسعوديين كزبائن فقط. هذه الأعمال تتمثل في تسويق المنتج الفلسفي بأشكاله من كتاب ومجلات ومواد صحفية ومصورة للمستهلك السعودي. لا بد هنا من التأكيد على أن توفر المادة الفلسفية مهم وأساسي ولكن في الحقيقة أن المادة الفلسفية كانت ولا زالت متوفرة خصوصا بعد الانفتاح الكبير الذي حققه الانترنت للمهتمين والمهتمات بالفلسفة من السعوديين سواء في اللغة العربية أو اللغات الأخرى التي أصبح يتقنها عدد متزايد من السعوديين. المادة الفلسفية بالنسبة للفرد السعودي متوفرة وغنية. المشكلة في هذا النوع من المشاريع أنها لا ترغب في مشاركة السعودي خارج دور المستهلك فهي ليست مهتمة بصوته ولا بما لديه ليقدمه. هذا النوع من المشاريع مهتمة بأن يملأ السعودي مكتبته من منتجاتها لا أكثر. تريد أن تبقيه مواطن درجة ثانية في السياق الفلسفي. هذا التمييز ضد السعودي قد يكون لأسباب تجارية باعتبار أن صوته لن يكون مادة مضمونة التسويق أو لأن تكلفته أعلى من احتمالات ربحه وكما هو معروف فإن رأس المال جبان ومندوب المبيعات الفلسفي لا يريد المغامرة مع الصوت الفلسفي الجديد. السبب الثاني قد يكون ثقافيا ونفسيا تدعمه نظريات احتقارية للسعوديين والخليج بشكل عام باعتبارهم البدو الذين يعيشون في الصحراء ولا يمكن أن ينتجوا قولا فلسفيا حقيقيا. مسوّق الفلسفة في السعودية قد يخضع لمثل هذا التصور العنصري عن السعوديين بوعي أو بدون وعي ولذا يتجه للأنشطة التي تحافظ على السعودي في دور المستقبل والمستهلك لا أكثر.
النوع الثاني من الأنشطة وهي التي تحقق التمكين الحقيقي هي الأنشطة التي تتجاوز دور الاستقبال والاستماع إلى الاحتفاء بالسعودي متفلسفا وناطقا ومشاركا ومتسائلا ومجيبا وناقدا ومحاورا. هذه الأنشطة التي تدعو السعودي للكتابة والكلام في الشأن الفلسفي وتعطيه المجال وتدعم تجربته. هذه الأنشطة تؤمن بأن السعودي مثله مثل بقية البشر لديه القدرة المعرفية والثقافية والنفسية على أن يشارك في الحوار الفلسفي الإنساني. هذه الأنشطة تحاول تعويض غياب الأكاديمية الفلسفية في السعودية من خلال تقديم محاضرات وورش عمل وسيمنارات بحثية لدعم روح التفلسف السعودية. هذه الأنشطة ليست تسويقية وفي الغالب هي تطوعية والدعم الذي تحصل عليه يكاد يكون معدوماً وليست جذّابة لتجار التسويق الفلسفي لأنها أصلا قائمة على الايمان والمغامرة والثقة بالمستقبل. إنها أنشطة تفتح الباب للأسماء الجديدة، للمغامرات الأولى، لاجتماع السعوديين في مكان واحد للتفلسف المشترك. هذه الأنشطة منطلقة من أهداف فلسفية واجتماعية وثقافية وإنسانية واسعة جدا لا يعرفها إلا من شارك في جلسة فلسفة مع ستين شخص في مكان واحد في روح من التحليق المقدس في عالم الأفكار والتصورات وحرية التعبير والفكر. دائما ما تأملت خروج العشرات من جلسات حلقة الرياض الفلسفية بوجوه منتشية بروح الحوار والتأمل والثقة بالذات. حلقة الرياض الفلسفية مجرد مثال على أنشطة متعددة في الرياض وجدة ونجران والشرقية وحائل والقصيم وغيرها من مناطق ومدن المملكة. قد لا تكون هذه الأنشطة جاذبة للمشغول بالتسويق التجاري للفلسفة ولكنها بالتأكيد جاذبة لمن يفكر في المجتمع السعودي وتمكين أفراده في المجالات التي يجدون أنفسهم فيها. هذه الأنشطة جذابة جدا لمن يريد سماع الصوت السعودي لا ليكون الصوت الوحيد بل ليشارك في الحوار الفلسفي الإنساني لا باعتباره مستقبلا بل باعتباره مرسلا ومساهما كذلك.
سيبقى التسويق التجاري جزءا من أي نشاط فكري واجتماعي ولكن من المهم أن نعلم محدودية هذا الدور وسلبيته حين يبقى وحيدا في الساحة. النشاط الفلسفي السعودي قادر على تسويق ذاته بمنطق يتجاوز المنطق التجاري ولكنه بحاجة للدعم من المؤسسات الرسمية من خلال مشاريع تسعى بشكل مباشر لدعم السعودي أن يكتب ويحاضر فلسفيا بدلا من حصره في دور القراءة والاستماع.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات