عاجل

البث المباشر

فهد سليمان الشقيران

<p>كاتب وباحث سعودي</p>

كاتب وباحث سعودي

اتفاق «طالبان» ـ واشنطن... قصة انهيار مريع

منذ إعلان اتفاق الدوحة بين «طالبان» وواشنطن والقارئ يرى بين طيّاته الأفق القاتم والطريق المعتمة. اتفاق يستحيل أن يتمّ؛ فأفغانستان بلد المصالحات المستحيلة. تفاؤل أميركي شديد زامنَ ذلك التوقيع... من يدري؛ ربما ينفجر سحر المستحيل على جبال هندوكوش العالية؟! سعى السياسي العريق زلماي خليل زاد إلى أن يعيد تركيب ما تبقى من صورة عن بلاده...
ذكرى أفغانستان القديمة، كما رآها من الطائرة وهو يغادرها لأول مرة؛ مقرّ الإمبراطوريات العظيمة، وموضع الأطماع... بلد حطّت على أرضه جيوش الإسكندر الكبير، وولد فيه الصوفي الكبير جلال الدين الرومي، وموطن الشعراء، وأقدم صانعي الزجاج والمنقّبين عن الأحجار الكريمة، ومحطة ذروة النشاط على طريق الحرير... تلك صورة زلماي التي يراها ودوّنها وحلم بها عن أفغانستان منذ الخمسينات، حيث «الحياة الحلوة» من دون أي اضطراب، ويعيد بحنين مشهد الملك الظاهر شاه والناس تقبّل يده، راضية مبتهجة سعيدة.
حتى آخر لحظة، أراد زلماي للمصالحة أن تنجح، ولكن بدت الصعوبات والتحديات أمام اتفاق الدوحة أضعاف ما كان يتوقع.
لم تُهدِ «طالبان» منذ الاتفاق الأفغانيين إلا المزيد من العمليات الإرهابية... بعد التوقيع بساعات نفذت الجماعة عملية دموية... باستثناء أيام الأعياد، حيث أهدت «طالبان» الناسَ هدنة، ردّت عليها الحكومة بأن أفرجت عن ألفي مقاتل من الحركة. واشنطن وقّعت على إطلاق سراح 5 آلاف سجين، مقابل تعهد «طالبان» بأن يكون المفرَج عنهم لا يشكلون خطراً على الولايات المتحدة وحلفائها. اليوم يدخل الاتفاق مساره الأكثر تعقيداً؛ إذ العملية السياسية لن تكون بين الحكومة الأفغانية والولايات المتحدة، ولن تتحملها المصالحة المزمعة بين الطرفين، ولا يمكن أن يحول الاتفاق بين «طالبان» والعمل الإرهابي حتى مع السخاء الأميركي لتحويل الحركة تدريجياً إلى حزب سياسي، بل ورفع العقوبات المالية عن أفرادها في 27 أغسطس (آب) من هذا العام كما تنص بنود الوثيقة.
إن التحدي الذي يواجهه الاتفاق لا يعود إلى التعقيدات العملية السياسية؛ وإنما لطبيعة آيديولوجيا الحركة. الصحافية هدى الصالح تقول: «من أهداف قطر بهذا الاتفاق صهر (طالبان) في حركة (الإخوان)». بالطبع هذا أمر مستحيل. تحلم الدوحة بأن ترى «طالبان» ضمن محورها الطبيعي وذراعها السياسية الأساسية؛ وهي جماعات الإسلام السياسي، لذلك، فإن رعايتها الاتفاق لا تتعلق بالاستقرار في أفغانستان وجوارها؛ وإنما بنزع صفة الإرهاب عن الحركة، وبالتالي كسب لاعب جديد لديها تستخدمه في تلك المنطقة وتبتزّ به محيط أفغانستان وتقامر به في العالم.
أي قارئ بسيط للأخبار يدرك هشاشة الدبلوماسية القطرية، وانهيارها الكامل، وذلك سبب رئيسي لفشل اتفاق الدوحة. الدولة التي افتتحت مكاتب للحركة مبكراً هي الآن أمام العالم تواجه عواقب الإفلاس السياسي.
ليست المسألة أن تفشل قطر في هذا الملف؛ إذ يندرج ضمن عشرات الاتفاقيات والقضايا التي أخفقت فيها بشكل مريع، لكن ما يكشف عنه انهيار الاتفاق أن العلاقات بين قطر وإيران ليست ندّية ولا متكافئة؛ بل تقوم على معادلة التابع والمتبوع، الآمر والمطيع، المستهلِك والمستهلَك؛ إذ لو تمكنت قطر من دمج إيران في هذه الاتفاقية وأقنعتها بضرورة التعاون معها لسار الملف بطريقة أقل وعورة. ولكن اليوم إيران تقوم بأعمال ميدانية مزدوجة لضرب الاتفاق.
على سبيل المثال؛ قبل أيام أعلنت مديرية الأمن الوطني الأفغانية الخبر التالي: «اعتقل قائد طالباني يدعى (شفيع)، وهو معروف باسم (حافظ عمري)، في عملية خاصة بولاية هرات المحاذية لمحافظة خراسان الإيرانية». حافظ عمري اعتقل وهو مسلح عندما ترجّل من سيارة تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني في منطقة معسكر تبه سياه، محاولاً دخول مديرية شيندند بغية تنفيذ أعمال إرهابية (تخريبية) ضد سَدّ باشدان المائي، وجعل الطرق السريعة غير آمنة في ولاية هرات.
الصحافي الإيراني المختص مسعود الزاهد كتب لموقع «العربية.نت»: «في مايو (أيار) 2020 أعلن المتحدث باسم الرئاسة الأفغانية، صديق صديقي، أن (طالبان) تقتل الشعب الأفغاني بأوامر تطلقها من قطر، والشعب الأفغاني لن يقبل أبداً سلاماً غامضاً وغير كامل لن يؤدي إلى ختم الحرب وإحلال السلام»، ووصف وجود قادة «طالبان» في قطر بأنه «شهر عسل»، مؤكداً ضرورة «إنهاء هذه العملية (المفاوضات في قطر) التي وُلدت ناقصة وعقيمة منذ البداية».
لا يمكن وصف عمل قطر في أفغانستان بأنه يتمّ بالتواطؤ مع إيران؛ إذ تراها الأخيرة أقلّ من ذلك بكثير، خصوصاً في هذا الملف الكبير.
لتعمقٍ أكبر بهذا الشأن، لنقرأ ما كتبه وزير الداخلية الأفغاني الأسبق علي أحمد جلالي (وهو أستاذ متميز في «مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية» في واشنطن)، في كتابه: «أفغانستان... تحديات الانتقال إلى السلام»... قال بوضوح: «تنظر إيران من جهتها إلى الوضع في أفغانستان في سياق علاقاتها مع الولايات المتحدة والحفاظ على نفوذ لها في أفغانستان. وكما الهند؛ فإن إيران تعارض التوصل إلى تسوية سياسية في أفغانستان تمنح (طالبان) السلطة في أجزاءٍ من البلاد على الحدود مع إيران، مما يؤدي إلى فرض التأثير الباكستاني في المنطقة».
إيران تتخادم مع «طالبان» لتحقيق أهدافها وسياساتها وصقل أوراقها مع الولايات المتحدة، والأهم مناهضة باكستان.
كتبتُ في هذه الجريدة فور توقيع الاتفاق متوقّعاً له الفشل الذريع، والانهيار المريع، واليوم أثبتت الدوحة أنها تدمن سياسة تجريب الإخفاق، وما اتفاق الدوحة إلا أحد الملفات الكبيرة التي لم تحتملها الحقيبة القطرية الصغيرة.
وحدها الدول الكبيرة بثقلها الاستراتيجي، ووزنها السياسي، وعقولها الدبلوماسية العبقرية، التي ترسم السياسات، وتجيد إبرام الاتفاقيات.
من جميل وبليغ معاني الشريف الرضي قوله:
الناسُ حَولَكَ غربانٌ عَلى جِيَفٍ
بُلهٌ عَنِ المَجدِ إن طاروا وإن وَقَعوا
فَما لَنا فيهِمُ إن أَقبَلوا طَمَعٌ
وَلا عَليهِم إِذا ما أَدبَروا جَزَعُ

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة