عاجل

البث المباشر

أحمد يوسف أحمد

<p>أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة</p>

أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

الانسحاب الأميركي من «الصحة العالمية»

لم يكن قرار ترامب بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية يوم الجمعة الماضي مفاجئاً، فقد هدد بذلك في أبريل مع إيقاف تمويله للمنظمة، وكرر تهديده في 19 مايو الماضي ما لم تدخل المنظمة الإصلاحات التي طلبتها الولايات المتحدة خلال ثلاثين يوماً. وهو ما يضيف قرار الانسحاب إلى سلسلة القرارات المتناقضة التي يتخذها منذ بداية ولايته، فمهلة الثلاثين يوماً لم ينقض منها سوى ثلثها، ولا يعبر القرار عن إجماع سياسي أميركي، وقد سبق لرئيسة مجلس النواب «الديمقراطية» أن وصفت قرار ترامب بوقف تمويل المنظمة بالأحمق والخطير وغير القانوني.. فما بالنا بالانسحاب. وإذا كان من المنطقي أن يعارض «الديمقراطيون» ترامب وهم يخوضون معركة إسقاطه في الانتخابات القادمة، فإن اللافت أن رئيس لجنة الصحة بمجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه «الجمهوريون» قد عارض القرار، ومن المهم أنه أكد على الحاجة إلى إلقاء نظرة مدققة على الأخطاء التي «ربما» تكون المنظمة قد ارتكبتها، لكنه اختلف في توقيت القرار الذي لم يكن ينبغي أن يُتخذ في منتصف الأزمة وإنما بعدها، والأهم أنه انتقده من منظور المصلحة الأميركية، لأنه يمكن أن يضر بجهود المنظمة لتنسيق العمل على التوصل للقاح مضاد للفيروس والفيروسات الأخرى التي يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة، ويربك التجارب السريرية لتطوير اللقاحات التي يحتاجها المواطنون الأميركيون وغيرهم، وأخيراً لأن الانسحاب قد يُصعب العمل مع الدول الأخرى لوقف الفيروسات قبل وصولها إلى الولايات المتحدة.
ويُضاف القرار إلى قرار ترامب في أكتوبر 2017 بالانسحاب من «اليونسكو» بالحجة نفسها، أي الحاجة لإصلاحات جذرية بالإضافة إلى اتهامها بالانحياز ضد إسرائيل. وهو ما يثير التساؤل عما إذا كان هذا النهج سوف يستمر في مواجهة منظمات وترتيبات دولية أخرى، اتساقاً مع رفض الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية وانسحاب ترامب أيضاً من اتفاقية باريس للمناخ.. وهكذا، على النحو الذي يذكرنا بسياسات العزلة التي تجلت في رفض الولايات المتحدة الانضمام لعصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى، مع أن الرئيس الأميركي ويلسون كان صاحب فكرتها، والواقع أن ثمة شعوراً متأصلاً لدى قطاع واسع من المجتمع الأميركي، بسبب القوة الأميركية، بأن الأميركيين في غنى عن العالم، مما يوفر أساساً للتوجهات الانعزالية التي تتناقض مع الحقائق البديهية للاعتماد المتبادل. فكيف يمكن استمرار الرفاهية الأميركية دون مبيعات السلاح الهائلة وغيرها من السلع الأميركية؟ ما يعنيني أكثر هو دلالة انسحاب ترامب بالنسبة لتراجع الدور القيادي الأميركي عالمياً، إذ من المعروف أن هذا الدور يواجه، منذ حين، تحديات حقيقية بعد أن انفرد بقيادة العالم، عقب تفكك الاتحاد السوفييتي، على رأسها استعادة روسيا مكانتها العالمية، رغم صعوباتها الاقتصادية، واستمرار الصعود الصيني اقتصادياً وعسكرياً، وانسحاب الولايات المتحدة من منظمة دولية، ما يعني عجزها عن تغيير السلوك الذي لا ترضاه منها، سواء تم ذلك بالإكراه الذي يعكس القوة الشاملة اقتصادياً وعسكرياً، أو بالإقناع الذي يعني أن الأفكار الأميركية مقبولة عالمياً، وهذا هو الأهم في مقومات القيادة، لأن الإكراه لا يصلح لكل المواقف، وهو يعجز كثيراً عن تحقيق الانصياع المطلوب من هذه الدولة أو تلك، كما في الأعمال العسكرية التي تنتهي بالفشل مهما طال أمدها، كالمحاولات الأميركية في أفغانستان منذ بداية القرن، أما الاقتناع فيعني أن «المشروع» الأميركي لقيادة العالم مقبول طوعياً على النحو الذي يُسَهل الاتساق مع السلوك الأميركي، وفي حالتنا كان سيُسَهل تمرير وجهة النظر الأميركية عن طريق غالبية أعضاء منظمة الصحة العالمية، وليس بالانسحاب منها، وهذه هي الحلقة المفقودة في القيادة الأميركية للعالم.

* نقلا عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة