عاجل

البث المباشر

عندما تصبح "التفرقة العنصرية" سلاحا انتخابيا لـ"الـديـمـقـراطـي"

لم يكن وراء اختيار الناخب الأميركي للمرشح الجمهوري دونالد ترمب (رغم كونه شخصية مثيرة للجدل) سبباً أهم من أنه صوّت لمنافس الحزب الديمقراطي أيا يكن! ولم يكن الرضا لاحقاً على سياسة ترمب الداخلية إلا حين أوصل نسبة البطالة إلى أدنى مستوياتها أبداً في الولايات المتحدة بخلاف ما كان عليه الوضع ما بين عامي 2008 – 2016.

لم يكن وراء استنزاف الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الشرق الأوسط لمصلحة إيران سببٌ مرتبط بلون بشرته، ولم يكن وراء الرئيس الأشقر دونالد ترمب ما يربط لون بشرته بسياسة المواجهة مع إيران والتضييق عليها وحصارها. لم تعش المنطقة العربية تبعات أسوأ أمنيا وسياسياً واقتصادياً من تلك التي التي عاشتها بعد إفراج إدارة أوباما عن طهران التي أثبت نظامها أنّ "تحريره" خطر على الصالح العام عموماً والعربي خصوصاً وكلّ ذلك لم يُنسب لـ"سُمرة" أوباما بل لسياسته وسياسة حزبه الخارجية.

هو صراع سياسي بحت قبيل أشهر قليلة من الانتخابات الأميركية والتي لم يوفّر فيها الحزب الديمقراطي فرصة إلا وحاول استغلالها لإسقاط ترمب ومنع إعادة انتخابه ـ حتى لو كان ذلك على حساب الولايات المتحدة واستقرارها ـ وهنا المفارقة! قد يختلف الحزبان دوماً ويتنافسان في الانتخابات لكن أن يأتي ذلك على حساب المصلحة الأميركية الداخلية و"خير" البلاد والمواطن الأميركي.. فهذه سابقة!

ليست المرة الأولى التي يلعب فيها الحزب الديمقراطي على "العنصرية" (حتى لو لم تصل إلى هذا الحد) فيما الدستور الأميركي يساوي بين المواطنين مع اختلافاتهم العرقية والدينية والإتنية. لكن إزاء ما يصر عليه الحزب الديمقراطي من استنهاض للتمييز العنصري الممقوت بعد حادثة جورج فلويد المؤلمة ، فـلا بـد هنا من الإشارة إلى أن شعار الحملة الانتخابية لباراك أوباما " لدي حلم " i have a dream لم يكن بالصدفة أو بمثابة إبداع من بنات أفكاره، إنما استعادة للشعار الذي أطلقه مارتن لوثر كينغ، فرفعه الديمقراطي بهدف تعبئة الناخب من أصل إفريقي للتصويت له مستثيرا شعورهم الماورائي بالتمييز، مستندا إلى اللاوعي الجماعي الموروث لتقليبهم ضد منافسه في الانتخابات.

فهذه اللعبة المخزية التي أوصلته إلى سدة الرئاسة، يحاول من خلالها الحزب الديمقراطي حاليا تكرار التجربة لعله يقطف ثمارها بتصويت الملوّنين والأفارقة والاسبان والعرب لمرشحه. يُذكر أن الفصل والتمييز العنصري في الولايات المتحدة قد ألغي بعهد الرئيس ليندون جونسون في العام 1964 وانتهت مذاك التاريخ خطة "كونتلبرو" التي وضعها مدير جهاز الـ "أف بي آي" جون إدغار هوفر والذي عمل مع ستة رؤساء جمهورية، للتجسس والتنصت على القادة المنادين بالحقوق المدنية والسياسية ضد سياسات التمييز العنصري، والتي اعتبرت لدى البعض أنها أدت الى اغتيالات منها اغتيال مارتن لوثر كينغ.

دأب الحزب الديمقراطي منذ أن انتُخب ترمب رئيسا للولايات المتحدة على تشويه سمعته أمام الرأي العام الأميركي وتهشيم صورته. لم يكتف بهذا القدر الذي تتيحه الديمقراطية في أعتى دولة حول العالم. إنما طعن بالانتخابات الرئاسية من خلال اتهام روسيا بالتدخل فيها وتجريمه لترمب بالتواطؤ معها للفوز بالانتخابات، فباء جهد الحزب الديمقراطي بالفشل. فانتقل إلى اتهام الرئيس باستغلال منصبه لابتزاز أوكرانيا بالمساعدات العسكرية. تولّت رئيسة المجلس نانسي بيلوسي طرح وثيقة لتجريم ترمب بإخفاء معلومات عن الكونغرس، ومحاولته تحقيق مكاسب شخصية بملف أوكرانيا لإهداف انتخابية. إثر فشل تمرير محاكمة الرئيس بالكونغرس تعمدت رئيسة الكتلة الديمقراطية في الكونغرس نانسي بيلوسي أمام كاميرات التلفزيونات تمزيق خطاب ترمب عن حالة الاتحاد مظهرة مدى حقدها الشخصي عليه.

زاد من عداء "الديمقراطيين" ضد ترمب عجز الحزب عن توحيد صفوفه حول مرشح واحد لرئاسة الجمهورية ، بعد أن خاض أكثر من 10 مرشحين الانتخابات الحزبية الديمقراطية التمهيدية. رسا الاختيار ـ بعد مخاض عسير ـ على جو بايدن العاجز لتاريخه عن اختيار مرشحا لنائب الرئيس يرضي الأطراف الحزبية المتصارعة، وعن توحيد الحزب حول برنامج واحد يجمع فيه بين تطرف يسار برني ساندرز واليزابيت وارن من ناحية وبين الاتجاهات اليمينية المتمثلة ببلومبيرغ وبتي بوتيجيج والماكينة القيادية من ناحية ثانية.

بعد سلسلة من الإخفاقات لـ"الديمقراطي"، عاد اللعب على الوتر "العنصري". ولكن، يتجاهل الحزب الديمقراطي أن أميركا انتخبت لمرتين متتاليتين رئيساً أسمر البشرة، وتولّى أميركي من أصل أفريقي وزارة الدفاع ووزارة الخارجية وغيرهما من وزارات، ورئاسة مجلس الأمن القومي، ومناصب حساسة متعددة في الإدارة الأميركية. يحاول "الحزب الديمقراطي" التعتيم على أنّ الانسان الأميركي من أصول افريقية انتقل عن جدارة فائقة من الزراعة واليد العاملة الصناعية الرخيصة إلى تكوين طبقة وسطى وطبقة غنية. كما يعتّم "الديمقراطي" أنّ لدى الإنسان الأميركي من أصول أفريقية الحق المتساوي مع الأبيض من دون أي تمييز يكفله الدستور الأميركي، حيث إن أي مرتكب أكان من أصول أفريقية أو هندية أو أوروبية أو عربية يحاكم في أميركا كـ"مواطن" حتى لو كان رئيساً أو وزيراً أو نائباً أو ضابطاً أو قاضياً أو حاكم ولاية.

في الموازاة، لم يتوان حكام الولايات المنتمون إلى الحزب الديمقراطي عن التراخي تجاه المظاهرات المتسمة بالعنف والتعدي على الملكية العامة والخاصة، وعلى الإدارات العامة وسيارات الشرطة ووسائل الدفاع المدني، ورفضهم العلني الاستنجاد بكل من الحرس الوطني العائد لكل ولاية، وللجيش لوقف التعديات وأعمال الحرق والتكسير والنهب. مما حدا بالرئيس ترمب للطلب من حكام الولايات اتخاذ التدابير الحازمة الضرورية وإلا سيُضطر للطلب من الجيش بالتدخل لوضع حد للاضطرابات والفلتان الواسع. هذا الأمر، استثار الحزب الديمقراطي وحمله على طرح صلاحيات رئيس الجمهورية وعما إذا بإمكانه دستوريا أن يطلب من الجيش التدخل داخل الولايات المتحدة. وطرح تساؤلات حول مدى صلاحية الرئيس الأميركي على إصدار تعليمات للجيش للنزول وفض اضطربات، كما الصلاحيات التي تتمتع بها القوات المسلحة في هذا الشأن.

والمفارقة هنا، أنّ من يتنطح لينكر هذه الصلاحية لدى الرئيس نسي أنّ رؤساء من حزبه استعملوا هذه الصلاحية الممنوحة لرئيس الجمهورية بموجب كل من قانون " التمرد " و قانون POSSE COMITATUS ACT الصادر عن الكونغرس عام 1878 المعدل. فقانون التمرد الذي يعود تاريخه إلى عام 1807 المعدل عدة مرات، قد حدد سلطات الرئيس الأميركي في هذا الشأن في ضوء أحداث أخرى جرت بعد ذلك. ويشير قانون التمرد إلى إمكانية أن يقوم الرئيس الأميركي بناء على طلب من الجهاز التشريعي لولاية أو حاكمها باستخدام الجيش الفيدرالي لقمع تمرد. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يتحرك ترمب استنادا إلى الاحكام الواردة في القانونين التي تجيز له التدخل في داخل أي ولاية تشهد اضطرابات تعرقل تنفيذ القانون الفيدرالي. وقد حدث ذلك في عام 1992 عندما استدعى حاكم كاليفورنيا "قانون التمرد" لفض أعمال شغب حدثت في لوس أنجلوس بعد تبرئة شرطيين من قتل رودني كينغ الذي قضى بسبب الضرب الوحشي. حينها طُلب من الرئيس الراحل جورج بوش الأب التدخل لأن قوات الحرس الوطني في كاليفورنيا لم تكن قادرة على قمع الاضطرابات الداخلية. وتجيز الفقرتان للرئيس الأميركي نشر الجيش الفيدرالي على أراضي الولاية عندما يرى أنه من الضروري "قمع تمرد أو عنف محلي أو اتحاد غير قانوني أو تآمر يعيق تنفيذ قوانين الولاية وقوانين الولايات المتحدة". وقد تمت الاستعانة بهذا الاستثناء في خمسينات وستينات القرن الماضي، لفرض قوانين الحقوق المدنية وإنهاء التفرقة العنصرية في الجنوب، من قبل الرئيسين دوايت أيزنهاور وجون كينيدي في أركنساس وألاباما وميسيسيبي. وقد استند كينيدي إلى حدوث “إعاقة” للقانون الفيدرالي كي يرسل قوات عسكرية فيدرالية إلى مدينة برمنغهام في ألاباما خلال احتجاجات الحقوق المدنية. كما تجيز هذه الأحكام القانونية استخدام القوة لحماية المرافق النووية والأصول الخطرة مثل الصواريخ والمتفجرات والمرافق العامة الهامة.

أمام هذا الواقع المرير لـ"الديمقراطي"، يحاول الحزب استغلال أي ظرف لتأليب الناخب الأميركي على ترمب ساعيا للاستفادة من أي ظرف لكسب المزيد من أصوات الناخبين لمصلحته، حتى ولو كان هذا الظرف يهدد الوحدة الوطنية، ويستثير الغرائز الدفينة، ويـُسـَعـِّـر التفرقة العرقية كحادثة جورج فلويد المؤلمة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة