كلام عن مفاهيم الدبلوماسية السيادية

عبد الله بشارة

عبد الله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

تبدلت الكويت بسبب سلوك الكورونا، فتلاشت الممنوعات وتآكلت المحرمات، وتزايدت الجسارات، وانكشفت عيوب كلنا مساهمون فيها، حكومة وشعباً ورأياً عاماً، لأننا استذقنا الراحة، واعتدنا على الاسترخاء، وفجأة وقفنا على حجم التشحّم في هيكل الدولة، لا سيما في محتوى التشكيلة السكانية، وفي انعدام تنوع منابع الدخل، وفي ضعف البناء الأمني الداخلي، وكشفت الأزمة عيوب الاتكال على عمالة رخيصة مستوردة، من الدول ذات الكثافة السكانية، وشعرنا بحساسية العلاقات مع الدول المصدرة لهذه العمالة، فكانت مفاجأة الكويتيين بأن هذه الدول المصدرة تثمن العائد الذي تجنيه من عمالتها في الخليج، مالياً واجتماعياً، والأهم اعتبارها عاملاً مؤثراً في السياسة وفي حسابات إستراتيجيات المصالح.. أتذكر بأن الدول الغربية، وبالذات الولايات المتحدة، ثارت في أعقاب الحظر النفطي الخليجي على تصديره إلى الولايات المتحدة، وفي ضرورات ممارسة الدبلوماسية السيادية، فلا تتحمل أن يكون أي طرف له دور في رسم دبلوماسيتها ولا تسمح لأي عامل نفطي أو مالي أو عسكري أن يتسلل إلى حساباتها في اتخاذ القرار المناسب لمصالحها، بينما كنا في دول الخليج نطرح واقع العولمة في العلاقات بين الدول، وكنا نؤكد تبادلية المصالح واستحالة الممارسة السيادية المطلقة في إطار المسؤولية الجماعية للأمن والاستقرار، لكن موقف واشنطن لم يستوعب هذا المفهوم لأنه يوفر لبعض الدول مثل دول النفط مكاناً مؤثراً في قرارها الأميركي المطلق، لذلك اندفعت في مسارين: بناء مخازن ضخمة لتخزين النفط – المخزون الإستراتيجي- وثانياً الاندفاع التكنولوجي نحو النفط الصخري، وفي الواقع حققت هذه الخطوات بعض ما تريده لكنها لم ولن تحصل على السيادة المطلقة بكل جوانبها. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة عقم الجري وراء وهم السيادة الثابتة، سواء فيما حدث بأسعار النفط عندما اندفعت روسيا لإغراق السوق، وتحركت المملكة العربية السعودية للحفاظ على أسواقها، وكما تابعناه من حساسية واشنطن حول تكنولوجيا الاتصالات وبروز التوجه الصيني لتسخير تطورها التكنولوجي للحصول على الريادة، فكانت التهديدات بالعقوبات وبالاتهامات بسرقة أسرار الابتكار. ما شرايين دبلوماسية السيادة؟ أهم الضرورات الاعتماد التام على الذات، في كل تنوعات وإشكاليات الحياة، غذاء وسلع ومواد خام وكفاءات بشرية ومواقع طبيعية، بغابات وبحور وسيطرة على الفضاء، وربما أكثر السيطرة على كل أنواع الأمراض والأوبئة، ليس فقط بوجد العلاج، وإنما بالاستباقية الصحية الطبية، وقد أكدت لنا «كورونا» بأن المطلق في كل شؤون الحياة خرافة، كما أكدت لنا مدارس الإرهاب خرافة القضاء على منابعه بالقوة وحدها وبانفراد دولة بذاتها. والهدف من هذا المثال الاقتناع بأننا في الكويت سنظل بحاجة إلى أيد عاملة من آسيا ومن مصر والدول الأخرى، لكن التحدي أمامنا بناء نظام يرسم الضوابط لأعدادها ونوعيتها وتنوع جنسياتها ولياقتها لحاجة الكويت ومستوى عطائها، بتولي جهاز متخصص لإدارة هذه العملية في الاختيار وفق الحاجة، يشارك فيها رجال الأمن وأصحاب الحس الأمني، الواعون لمخاطر تكاثر العدد في التأثير على القرار السياسي الكويتي الذي يضع مصالح الدولة فوق كل اعتبار، من دون اعتبارات لحساسية يثيرها صديق أو قريب. وأول خطوة، إلغاء نظام الكفيل، فمن غير المعقول أن يأتي كل كويتي بمن يريد من الخارج ويتركه تائهاً في ساحة البحث عن عمل أو عون، كانت عندي سكرتيرة هندية أرادت مني استحضار شقيقها فرفضت بقوة، ثم جاءت بعد ذلك تطلب مساعدة أخيها في توظيفه لأنها دفعت لكفيل كويتي، وبعد شهر جاءت تخبرني بأنه فصل من عمله وتستنجد. كنت منذ فترة بحاجة إلى عاملين من الهند، ودفعت للكفيل المستورد لأضمن لهما العمل معنا، وفي الوقت نفسه كان لدي سكرتيرة سورية أبناؤها مولودون في أميركا، بجوازات سفر، رفضت السفارة الأميركية منحها التأشيرة، فتوسطت لها وفشلت جهودي، ونفس الحال مع دول تضع الأمن في صدارة أولوياتها. منذ سنوات كنت ألقي محاضرة في جامعة نهرو في نيودلهي، وبعدما انتهيت كانت الأسئلة عن مستقبل الوجود الهندي في الخليج، وكانت تصورات الجمهور بأنه لا مستقبل لهم في الهند، وأنهم مهاجرون وأعدادهم أكثر من معظم سكان بعض دول الخليج، تكرر هذا الموقف في حوار البحرين عام 2017، بصوت ممثل الهند، بأنهم مهاجرون لهم حقوق المهاجر. كيف تتجاوز الكويت هذه المخاطر؟ هذا يقودنا إلى ما يسمى الحزم والشدة، وفي لغة الدبلوماسية High Politics، القرار الخشن، وخشونتها علينا كمواطنين بالخروج من فصل خراب الرفاهية إلى تقبل أثقال الانضباط، فترك طيش الترف إلى ممارسة المسؤولية بالحس الوطني في إطار مقبول من مشاركة المساعدين سواء في المنزل أو المكتب. وهنا أشيد بالاندفاع التطوعي الوطني الذي انضم إليه شباب وشابات الكويت، سواء في مجالات العلاج أو في الخدمات وتوفير تسهيلات الحياة، لكن الأهم أن هناك طاقة كويتية ضخمة فجرتها الأزمة، تتميز بالإيمان بدورها في الاستجابة لضرورات الوطن في فصل حاجته لهذه القوة، التي عطلتها نزعة الرفاهية والاسترخاء.. ومهما كانت خاملة في السابق، لكنها مؤشر لانفجار الحس الأمني الوطني الذي أيضاً كان مخدراً لأنه استكان لإغراءات الاسترخاء، وإذا كنا نبدأ في الداخل وفي أسلوب حياتنا وفي رسم خريطة مختلفة، أهم ملامحها سطوة القانون وتقبل أثقاله والالتزام بأعباء الأمن في التضحية بكثير من الامتيازات السابقة والانضمام إلى التعبئة الوطنية الجامعة في تقليص أعداد الوافدين، والاسهام في عملية الاحلال التي تشترط التخصص وفق حاجة الكويت، والالتحاق بعالم متبدل، أولوياته التكنولوجيا، يتألق فيه أصحاب المواهب وكذلك القادرون على التكيف مع الاعتماد على الذات، وأهم سلاح فيه العلم والمعرفة.. Volume 0% تدخل الكويت في تقلبات جوية سياسية، ستصيب دول الجوار والعالم العربي ومواقع أخرى في آسيا وأفريقيا، وستنفجر هذه التقلبات من استغناء العالم عن عضلات البشر واستبدال عقولهم بها، وسيشكل هذا الفائض البشري تضخماً في مسؤوليات المجتمع العالمي لتأمين الاستقرار والهدوء.. هذه أكبر التبدلات ما بعد كورونا.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.