عاجل

البث المباشر

يمينة حمدي

<p>*كاتبة تونسية</p>

*كاتبة تونسية

أردوغان لا يغادر دوامة التناقضات

حقّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شعبية كبيرة وجمع الكثير من الأنصار منذ وصوله إلى السلطة في عام 2002، ولكنه في المقابل، اكتسب خصوما ومعارضين ينتقدون مواقفه المتناقضة وسياسة حزبه العرجاء.

ورغم أنه استطاع أن يواجه مختلف العواصف التي اعترضت طريقه بالبطش والاعتقال، وتمكن من التّغلب عليها والبقاء في الحكم سنوات طويلة، لكن في الأعوام الأخيرة ظهرت علامات مقلقة على أن نزعة أردوغان التسلُّطية آخذة بالتمدّد والاتِّساع لتطوّق الذين يعارضون سياسة حكومته بطرق مشروعة، وتحبط جميع الاحتجاجات التي يراها تخريبية ومعادية له، ليعطي أردوغان بذلك صورة مشوهة عن تركيا المتسامحة التي كانت متماسكة بشدة وذات هوية واضحة، إلا أنها أصبحت مكانا تعلو فيه الصراعات والاختلافات الثقافية وتطوّقه الأزمات، ويحكمها نظام حزب العدالة والتنمية الإخواني المهيمن على السياسة الداخلية والاقتصادية والدبلوماسية للبلاد.

يزعم الرئيس التركي الذي يقف على رأس حزب العدالة والتنمية أيضا أنه يطبق مبادئ الديمقراطية في تركيا في الوقت الذي يتمسك فيه بالسلطة ويتعمد نشر السراب لإلهاء الشباب عن القضايا الحقيقية لبلادهم، كما أن طريقة حكمه أثبتت عقمها على جميع الأصعدة، اقتصاديا وسياسيا وأيديولوجيا.

ليس أردوغان بالقائد المستبد فحسب، بل يحمل بداخله أيضا أوهاماً بسطوة لا حدود لها، إضافة إلى رغبة جامحة في الهيمنة واستنساخ أمجاد الإمبراطورية العثمانية بحذافيرها في العصر الحالي، وفق ما يتناسب ورؤيته الخاصة.

كرر أردوغان مرارا موقفه الواضح من هذه القضية، حين قال إنه يريد رؤية “جيل متدين” وتعمد إلغاء نظرية التطور للعالم الإِنجليزي تشارلز داروين من المناهج التعليمية، ودعم المدارس الدينية المعروفة بمدارس “إمام خطيب”، كما استخدام الإسلام في صراعه مع أوروبا، ولعب دائما على هذا الوتر لاستمالة الناخبين ممن يفكرون بالعقلية ذاتها.

وكان قد تلا علنا إحدى القصائد التي جاء فيها “المسجد معسكرنا، وقبابه خوذاتنا، والمآذن رماحنا، والمؤمنون هم جنودنا”.

وفي أكتوبر عام 2013، ألغى حظر ارتداء الحجاب في مؤسسات الدولة، باستثناء القضاء والجيش والشرطة، وذلك بعد عقود من حظره.

لكنه فشل في سعيه لتجريم الدعارة، ومحاولته إقامة “مناطق خالية من المشروبات الكحولية” التي تؤكد نواياه الحقيقية بفرض الشريعة الإسلامية في تركيا. وتحوّل إلى موضوع سخرية من الأتراك عندما اعتبر شراب لبن العيران هو الشراب الوطني للأتراك، داعيا الأتراك إلى التوقف عن شرب عرق الراكي الكحولي.

من الواضح، أن أردوغان قد اتسم على امتداد قرابة عقدين من حكمه لتركيا، بالتضارب الفكري الجامع بين نقيضين، فطالما أشاد بالقيم العلمانية وبمبادئ التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما أظهر وجها يتسم بالتشدد والتعصب من خلال سعيه لإعادة صياغة المجتمع التركي بأسره وفقا لعقيدته الإخوانية، وفي الوقت نفسه، عمل على تعبيد الطريق للتحكم في عقول الأجيال واحتكار مستقبلهم، وكأن مستقبل الأتراك قد غدا أيضا مستعمرة أردوغانية مستباحة يفعل فيها “السلطان العثماني” ما يشاء دون أن يفكر في حلول لجميع الأتراك في الوقت الحالي.

لا يبدو أن أصل المشاكل الكثيرة التي تحاصر تركيا وتثقل كاهلها اليوم عقائدية ودينية، بقدر ما هي سياسية واقتصادية، تتخطى حدود ما يؤمن ولا يؤمن به كل مواطن تركي من عقيدة، غير أن أردوغان مازال مصرا على استغلال الدين لحشد المؤيدين لسياسته، ويعزف على أوتار مشاعر التعصب القومي من أجل إلهاء الشباب عن القضايا الحقيقية لبلادهم.

من الأمور المثيرة للاهتمام، والمتسقة على ما يبدو مع طريقة تفكير أردوغان، أنه بات أكثر ميلا للاعتقاد في صحة نظريات المؤامرة، خاصة تلك التي تتحدث عن أعمال إرهابية وتخريبية تتورط فيها أطراف داخلية وخارجية لاستهداف أمن واستقرار تركيا، في حين أن العيب الحقيقي يكمن في طبيعة حكمه وليس في الآخرين.

بات جليا للعيان، أن الحكومة التركية الحالية التي يقودها أردوغان، تفضل الحلول الارتجالية والسريعة، مثل الزج بالمعارضين في السجون، لإسكات أصواتهم وإقصائهم عن المشهد السياسي، بدلا من معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعتهم إلى انتقاده والاعتراض على سياسته.

وفي الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمات داخل تركيا، لا تكاد نظرة حكومة حزب العدالة والتنمية لهذه المشاكل تتجاوز حدود الانتخابات، فتلجأ في كل دورة انتخابية إلى وضع خطط وسياسات قصيرة الأجل، لكي ترفع رصيدها الانتخابي على الفور، فيما تتجاهل قضايا استراتيجية طويلة المدى ومهمة، كإصلاح نظام المعاشات أو الاستثمار في التعليم.

ويتجلى عجز حكومة أردوغان في أوضح صوره في التفاوت الاجتماعي الصارخ الذي أصبح سائدا بين المواطنين الأتراك، على صعيد الصحة ومستوى التعليم، فضلا عن تزايد أعداد الفقراء بسبب السياسات الاقتصادية لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

في المقابل يجد الجيل الشاب في تركيا نفسه قيد الإهمال والتهميش بسبب الأزمات الخانقة وغياب الإجراءات الملموسة والاستراتيجيات الواقعية القادرة على تخليصه من آفة البطالة.

ونظرا لقصر النظر السياسي لحزب العدالة والتنمية الذي يضع مصالح المجتمع التركي في مهب الريح ولا يفكر إلا في أيديولوجيته السياسية، ينظر الكثير من الأتراك بتشكك في الطابع العلماني الذي يُقال إن بلادهم تتصف به، ويعتريهم القلق من الاتجاه الذي تسير إليه تركيا، ويطمح معظم هؤلاء إلى رؤية نظام ديمقراطي حقيقي يراعي قيم المساواة والعدالة، ويحرر مستقبل البلاد والأجيال من قبضة ضيق الأفق ومحدودية التفكير والتعصب الديني والاستبداد السياسي، الذي تتسم به حكومة أردوغان.

في نهاية المطاف، يمكن الإقرار بأن تخلي أردوغان عن الحكم، أمر غير مطروح بالنسبة إليه على الإطلاق، لكن من الواضح أن العالم قد دخل منعطفا سياسيا تاريخيا، ولعل إحدى علاماته الحراك الشبابي الذي تمكن من كسر حاجز الصمت عن المظالم السياسية والاجتماعية والحقوقية، في بلدان تعاني من التغول السياسي والفساد، ووقف بكل بسالة في الصفوف الأمامية، ليطالب بسقوط الأنظمة، ومن يدري؟ ربما نرى قريبا في تركيا نظاما ديمقراطيا جديدا يتيح بعض السلطات للأجيال الشابة ويحرر المستقبل من قبضة ضيق الأفق ومحدودية التفكير التي يتسم بهما حزب العدالة والتنمية.

* نقلا عن "العرب"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات