الصانع الأول لنكتة «الإخوان الشيوعيين»

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

يشوب رواية زكريا البري، الأكاديمي الأزهري في مجال الشريعة والقانون، ووزير الأوقاف من عام 1980 إلى عام 1982 عيوب. فالوزير الذي سماه وزير الأزهر كان فتحي رضوان. وللتدقيق هو ليس وزير الأزهر، وإنما كان مشرفاً على شؤون الأزهر من جهة الحكومة بصفته وزير دولة. ولما عُيِّن في العام نفسه، عام 1952، وزيراً للإرشاد القومي مع بقائه في منصبه الأول، وزير دولة، استمر في الإشراف على شؤون الأزهر إلى عام 1955. وبمراجعة الوثائق الرسمية المتعلقة بتشكيل الوزارات بعد انقلاب 23 يوليو (تموز) 1952، من وزارة علي باشا ماهر، مروراً بوزارة اللواء محمد نجيب الأولى، إلى إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية في 18 يونيو (حزيران) 1953، نلحظ أنه في قرار التعيين وفي البروتوكولات الرسمية، لا ينص على أنه وزير الدولة لشؤون الأزهر، وإنما يكتفي بذكر أنه وزير الدولة.
ولعل النص على أنه وزير الدولة لشؤون الأزهر بدأ مع كمال الدين رفعت الذي شغل هذا المنصب في المنتصف الأخير من الخمسينات إلى عام 1961. وهو العام الذي خلفه في تولي هذا المنصب حسين الشافعي الذي كان اسم منصبه الرسمي نائب رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف وشؤون الأزهر ووزير الشؤون الاجتماعية.
في مذكراته «حياتي في رحاب الأزهر: طالباً وأستاذاً ووزيراً»، ينص محمد البهي في معرض ذكره لحادثة وقف شيخ الأزهر عبد الرحمن تاج فيها ضده، على أن أنور السادات في عام 1955 كان وزير الدولة لشؤون الأزهر.
يقول عن هذه الحادثة: «وقد وقف مني الشيخ تاج موقفاً شخصياً كنت لا أحب أن يقفه عندما سافرت إلى كندا في سنة 1955، كأستاذ زائر في جامعة (ماكجيل) بمونتريال، لإلقاء بعض المحاضرات في معهد الدراسات الإسلامية عن الحركة الإسلامية المعاصرة، ابتداء من ابن تيمية إلى (الإخوان المسلمين). ولكن سهَّل لي مهمة السفر رئيس الجمهورية السيد أنور السادات. وكان يومذاك وزير دولة لشؤون الأزهر».
السؤال الذي تطرحه هذه الحادثة: هل نصه على أن أنور السادات وزير الدولة لشؤون الأزهر متعلق بإنهاء السادات العقبة الإدارية التي خلقها له شيخ الأزهر، وهي عدم الإذن له بالسفر؟ أم أن وزير الدولة في ذلك العام ينص رسمياً على أنه وزير الدولة لشؤون الأزهر؟
أرجح أن نصه على أن أنور السادات وزير الدولة لشؤون الأزهر كان للسبب الأول. وهذه الحادثة تفيدنا بأن السادات تولى لمدة قصيرة شؤون الأزهر. وهذه المدة هي المدة الفاصلة بين تولي فتحي رضوان وتولي كمال رفعت لشؤونه.
هذا هو أول عيب في روايته.
العيب الثاني: أن إشراف الحكومة على شؤون الأزهر منصب لم تستحدثه حكومة الثورة. كما أن التعليل الذي ذكره لاستحداث هذا المنصب، وهو سحب الحكومة البساط من تحت أقدام شيخ الأزهر، تعليل غير صحيح في سبب نشأته في عهد حكومة الثورة.
إن الذي استحدث منصب إشراف الحكومة على شؤون الأزهر هو شيخ الأزهر عبد المجيد سليم، بموافقة من رئيس الوزراء علي باشا ماهر، في الأيام الأولى من عهد الثورة. فقد «طلب من علي باشا ماهر أن يخصص له أحد الوزراء لشؤون الأزهر. فخصص له الأستاذ إبراهيم عبد الوهاب، وكان سكرتيراً عاماً لمجلس الشيوخ قبل الثورة. وكان يقصد الشيخ عبد المجيد من تخصيص أحد الوزراء له – كما قال لعلي باشا نفسه – المحافظة على كرامة الوظيفة في المشيخة. إذ كان يرى أنه لا يليق بشيخ الأزهر – بعنوان أنه شيخ الأزهر – أن يذهب إلى وزير ما في شأن من شؤون الأزهر. وكان يقول – عليه رحمه الله -: إنه يذهب فقط إلى ولي الأمر بعنوان كونه ولي الأمر، أما من عداه فيذهب إليه باسم أنه عبد المجيد سليم، وليس بعنوان كونه شيخاً للأزهر. وأقر علي باشا ماهر - عليه رحمة الله - ما قاله الشيخ ونفذه».
هذه القصة رواها البهي في مذكراته.
إبراهيم عبد الوهاب الذي ذكر محمد البهي للتعريف به إنه كان سكرتيراً عاماً لمجلس الشيوخ قبل الثورة، والذي كما ورد في قصته أسند علي باشا ماهر، رئيس الوزراء، إليه مهمة الإشراف على الأزهر، كان وزير التجارة والصناعة والتموين في وزارة علي ماهر التي استمرت من 24 يوليو 1952 إلى 7 سبتمبر (أيلول) 1952.
وبمراجعة مرسوم تشكيل هذه الوزارة، لم أجد في هذا المرسوم أنه نص على أن شؤون الأزهر موكلة إلى وزير التجارة والصناعة والتموين، إبراهيم عبد الوهاب.
ولعل هذا ما يفسر لنا، أنه حينما عُين فتحي رضوان وزير دولة ابتداء من وزارة اللواء محمد نجيب الأولى، لم ينص على أنه وزير دولة لشؤون الأزهر.
العيب الثالث: أن شيخ الأزهر عبد المجيد سليم الذي اقترح ذلك المنصب للتعليل الذي تقدم في القصة التي رواها محمد البهي في مذكراته، كان موالياً للقصر أو السراي. ورئيس الوزراء علي باشا ماهر الذي وافق على إنفاذ المقترح، كان كذلك. كما أن ذلك المنصب استُحدث في عهد هيئة الوصاية على العرش، وقبل إعلان النظام الجمهوري في 18 يونيو 1953.
العيب الرابع: أن لهذا المنصب أصلاً في تاريخ الأزهر. ويحدثنا عن هذا الأصل المؤرخ عبد العزيز الشناوي، فيقول في كتابه «الأزهر جامعاً وجامعة»: «ناظر الأزهر منصب إداري حل محل منصب المشرف على الجامع الأزهر الذي كان مستخدماً في عصر الدولة الفاطمية، ثم أنشئ منصب الناظر منذ عهد دولتي المماليك البحرية والشراكسة. وكان يختص بالشؤون الإدارية وبعض المسائل المالية. وكان الناظر يرأس الجهاز الإداري من الموظفين والخدم. وكان التعيين فيه مقصوراً على الأمراء المماليك. واستمر العمل بهذا النظام قائماً طوال الحكم العثماني. ولما جاء الفرنسيون ألغوا منصب ناظر الأزهر، ثم أعيد هذا المنصب في مطلع حكم محمد علي، واستحوذ عليه علماء الأزهر».
العيب الخامس: أن ما سماه زكريا البري سحب حكومة الثورة البساط من تحت أقدام شيخ الأزهر، قضية ظهرت مع صدور قانون تطوير الأزهر عام 1961، الذي نُزعت فيه السلطة الإدارية والمالية من شيخ الأزهر في عهد مشيخة محمود شلتوت للأزهر. وقد تحدث عن هذه القضية في بداياتها محمد البهي في مذكراته. وكانت هي سبب خلافه الإداري الحاد مع أستاذه الشيخ محمود شلتوت، بعد تعيينه أول مدير لجامعة الأزهر عام 1961، وتعيينه وزيراً للأوقاف وشؤون الأزهر في 29/9/1962.
وقد فصلت شؤون الأزهر عن وزارة الأوقاف في عام 1974 في فترة مشيخة عبد الحليم محمود للأزهر.
العيب السادس: من خلال القصة التي رواها فتحي رضوان في كتابه «72 شهراً مع عبد الناصر» عن كيف اختير محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر، نستشف أن إشرافه على شؤون الأزهر، كان منصباً شكلياً، وأنه في منصبه هذا كان بمثابة منسق إداري بين حكومة الثورة وبين شيخ الأزهر محمد الخضر حسين. ومن خلال بعض الوقائع التي حصلت في عهد مشيخة محمد الخضر حسين، يبرز لنا أن شؤون الأزهر منوط أمرها بحكومة الثورة، لا الوزير المختص، وزير الدولة فتحي رضوان.
العيب السابع: أنه لم يسمِّ فتحي رضوان في روايته باسمه، وسماه وزير الأزهر، وكأن فتحي رضوان حينما تقلد منصب وزير الدولة، والذي كان من مهامه الإشراف على شؤون الأزهر، قد ارتكب عملاً شائناً، ينبغي إزاءه الستر على اسمه لسوء فعلته!
رواية زكريا البري تماثل سرديات «الإخوان المسلمين» عن «جنايات» ضباط الثورة على الأزهر وعلى شيوخه، رغم أنه ليس من «الإخوان المسلمين».
أنفي عنه أنه من «الإخوان المسلمين» استناداً إلى تصريح صحافي أدلى به إلى مجلة «المصور» بعد اعتقالات 3 سبتمبر الشهيرة عام 1981، وكان وقتها يشغل منصب وزير الأوقاف. فقد قال في هذا التصريح: «إنه لما طردت الشيوعية من مصر، لم تسكت، بل حاولت التزيي بزي الإسلام وإثارة قضايا دينية، وكلها حركات مقصود بها إثارة الفتنة. أي إثارة خلافات إسلامية إسلامية، وإسلامية مسيحية».
وعليه، يجوز لنا أن نعتبره الصانع الأول لنكتة «الإخوان الشيوعيين» التي راجت في العالم العربي مع فيلم «ثلاثة على الطريق» المنتج عام 1993. وهذه النكتة في هذا الفيلم نكتة شيوعية وليست نكتة إخوانية. وهي - وإن استُخدم «الإخوان المسلمون» فيها - نكتة لصالح اليسار واليساريين. وقد أُطلقت لخدمة فكرهم السياسي والآيديولوجي المعارض للحكومة، وإظهارها بأنها متعسفة تجاههم، تعسف الجاهل الأمي الغشيم.
أقول بهذا التنبيه؛ لأني رأيت في السنوات الأخيرة أناساً يستخدمونها دعائياً في الدفاع عن غلو «الإخوان المسلمين» السياسي وتطرفهم الفكري ورجعيتهم.
مر بنا في مقال سابق أن حلمي النمنم ينفي رواية أن الوزير فتحي رضوان ذهب إلى شيخ الأزهر محمد الخضر حسين، مكلفاً من قيادة الثورة بإقناعه عن العدول عن الاستقالة. ينفيها اعتماداً على أن فتحي رضوان لم يذكر هذه الحادثة في كتابه «72 شهراً مع عبد الناصر».
وكون فتحي رضوان لم يذكر الحادثة في كتابه، لا يكفي لنفيها؛ لأنه في حديثه عن استقالة محمد الخضر حسين من مشيخة الأزهر كان شديد الاقتضاب، واستعاض عن التصريح بالتلميح.
ولأنه على نحو عام أهمل في كتابه الحديث عن مهام منصبه في الإشراف على شؤون الأزهر، وأعزو هذا إلى أن مهام منصبه كانت فعلياً منوطة ببعض قيادات الثورة لا به.
لقد قيلت حكايات عن مواجهة بعض شيوخ الأزهر لمن هم على رأس السلطة بالرفض والاعتراض، من مطلع القرن الماضي إلى مطلع سبعيناته، بعضها فيه قدر كبير من المبالغة، وبعضها الآخر منسوج ومصنوع، ولقد وقفت لحلمي النمنم في كتابه «الأزهر: الشيخ والمشيخة» على كشف زيف بعضها. وخارج هذا الكتاب له مقال متصل بموضوعه، عنوانه «الملك والشيخ وطلاق الملكة» بلغ الذروة فيه في التصحيح والتصويب. وللحديث بقية.

* " نقلا عن " الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.