طرابلس مسيلة للدموع

علي شندب

نشر في: آخر تحديث:

العنوان ليس اسما يتصدر رواية أو ديوانا اشترك في تدبيج قصائده بعض شعراء منتديات الفيحاء الفكرية والثقافية وروابطها الأدبية التي لطالما كانت طرابلس تزخر بهم وتضج ألقا وحيوية ونشاطا وإنتاجا وفاعلية وبمختلف بحور الشعر وأوزانه وتفعيلاته.

العنوان توصيف حقيقي لما بات عليه وضع عاصمة الشمال، الفيحاء سابقا، والمكلومة والمنكوبة منذ سنوات مضت وما انقضت، وشابت دون أن تجدّد رجالها، فالمدينة تيتمت بعد رشيد كرامي كما قرّر في ناقوسه يوما الشاعر والوزير السابق رشيد درباس. وقع هذه الجملة يشبه دوي انفجار هائل، لأنها بقدر ما تعكس أهمية رجل من طراز ووزن رشيد كرامي، بقدر ما تقرّر أن من تبوأوا كرسيها بعده ومن كل الأطراف لم يرتقوا إلى مستوى المدينة وأهميتها بوصفها من أبرز حواضر العرب التي عندما نعددها تكون طرابلس الثالثة بعد بغداد ودمشق المنكوبتين بمحنتين منفصلتين متصلتين، وعلى ذكر بغداد التي غزاها الأميركيون واحتلوها عام 2003 ثم سلموا قيادها إلى جارتها غير الودودة إيران، ليكون الاحتلال المزدوج الأميركي الإيراني للعراق بمثابة النكبة الكبرى التي أصابت الوطن العربي وتناسلت منها نكبات حفيدات أصابت وتصيب بلاد العرب بلدا بلدا عاصمة عاصمة مدينة مدينة، ولتكون فلسطين النكبة الصغرى الممهدة للنكبة الكبرى التي ما زالنا نعيش تداعيات زلزال سقوطها دون أن يستقر له قعر والذي أصابنا ذات 9 نيسان مضى، ما يعني أن نهوض العرب ومستقبلهم وحاضرهم مرتبط بنهوض العراق، وهو النهوض الكفيل وحده بإعادة التوازن النفسي والمعنوي والحضاري لأمة العرب وحواضرها المغاربية منها والمشرقية وبينها طرابلس التي فاجأت الجمع والجميع بتألقها وزهوها وحضارية أهلها وسمو أخلاقهم وحقيقة معدنهم الذي لألأ ثورة 17 تشرين وزادها توهجا وبريقا وحضورا، وبات الوجدان الجمعي لأبناء طرابلس والشمال وتناميه محط انتباه واهتمام ورصد العرب والعجم والعالم، وباتت طرابلس عنوانا بارزا في الفضائيات ووكالات الأنباء الدولية المتفاجئة بصورة الفيحاء الجديدة، الزاهية، المتناقضة والمتمايزة عن الصورة النمطية التي رُسمت لها كإطار سُجنت فيه المدينة التي وُصمت ظلما وتجنيا بالإرهاب والطائفية وهما اللتان حولتا المدينة إلى قندهار لبنان رغم أن القندهاريين الحقيقيين هم أدوات الاحتلال المزدوج للعراق وغيره وعبره.

إذن تميزت طرابلس بحراكها الأنيق وبات لها نبض جديد ورؤية واضحة يعبر عنها أبناء المدينة وجوارها الذين قالوا كلمتهم وأسمعوا صوتهم وعبروا عن مكنوناتهم ومكبوتاتهم بأسلوب حضاري رفيع أحرج متنفذي الدولة والدويلة معا وقد أخذوا يرصدون كيف مزّقت المدينة رداء الطائفية والمذهبية والمناطقية، وكيف أقامت المصالحات الحقيقية النابعة من أوجاع الناس وآمالهم في شوارعها وساحاتها وميادينها حتى ظنّت أنها اقتدرت على دفن سياسات الزواريب والدهاليز والأزقة المجنونة والمزروعة حواشيها بالمفخخات المختلفة.

لكن مكنونات طرابلس ومكبوتاتها التي صدحت مع 17 تشرين لم تسمع لصوتها صدى يعود، رغم أن متنفذي المدينة تنافخوا شرفا لنجدتها وأطلقوا صرختهم المشابهة لصواريخ إيران الصوتية في تدمير إسرائيل خلال سبع دقائق ونصف..

"طرابلس لن تجوع"، رغم أن جوع المدينة وفقرها مزمن وقديم. ثم كانت إجراءات التعبئة العامة الحكومية لمواجهة كورونا وأبرزها منع التجول وإقفال المؤسسات وتعطل دورة الحياة الاقتصادية بفعل الجائحة غير الجائعة، لكن جموعاً من المدينة خرجت إلى الشوارع تقول "نفضل الموت من كورونا على الموت من الجوع"، فيما ضارب الطبلة يغني طرابلس لن تجوع.

إنه الجوع إذن، ذاك الذي يفتك بطرابلس بعدما فتكت فيها السياسات التأديبية والتخضيعية، بل إنه التجويع الممنهج والمتقن وقد رسّخ بعض الساسة الجدد عبره "الثقافة التسولية" واعتمدوها نهجا ومنهاجا هجينا ليركبوا على المدينة وينصّبوا فيها عنها وعن غيرها "مزهريات" في المجلس النيابي والحكومة، رغم أن طرابلس ولزمن غير بعيد مدينة قائدة ورائدة وغير تابعة لأحد خصوصا من خارجها، لكنها استُتبعت سياسيا وشُوّهت إعلاميا وأهملت إنمائيا واقتصاديا، فلا أحد يسأل أو يتساءل بعد هذا عن مآلات مدينة أو بلد تحل فيه لعنات "الاستتباع والتشويه والإهمال" الممنهجة والمبرمجة بهدف السيطرة والإخضاع وتأمين الممرّات الآمنة للزعامات الوافدة من عوالم لا علاقة لها بالسياسة وفنون الممكن وغير الممكن فيها بالمعنى الرشيد والحكيم والمسؤول.

إذن هو الاستتباع السياسي الذي همّش طرابلس وأفقدها وزنها وتوازنها تجاه نفسها ومعها لينعكس الأمر هزالا وتهميشا وتهشيما للمستتبع إياه الذي تعامل مع المدينة بلغة الصناديق، صناديق انتخابية تارة، وصناديق بريدية طورا، أما صناديق المشاريع التنموية والاقتصادية والاجتماعية فبقيت خارج طرابلس، وهو الخارج الذي له مع الفيحاء حسابات وحساسيات كثيرة، يكفي أنه سيكون خارج كل الحسابات متى ما استعادت طرابلس دورها الريادي والقيادي، ولهذا كان لا بدّ من وأد وتشويه صورتها وتنكيس أعلامها التي اشرأبت مع فجر 17 تشرين، وقد أدار لهذا الغرض تحالف ميلشيا المال والسلطة والسلاح محركاته باتجاه تقويض 17 تشرين وطرابلس التي شهدت منطقة باب التبانة فيها السبت الماضي مواجهات بين بعض أبنائها والجيش اللبناني على خلفية منع شاحنات محملة بمواد غذائية مختلفة متوجهة إلى سوريا (وليس إلى النازحيين السوريين في لبنان) باعتراف متأخر من "برنامج الغذاء العالمي" التابع للأمم المتحدة والذي لم يغلّف الشاحنات المستأجرة من قبله بأي إشارة تفيد بتبعيتها له، ما سمح باستبسال أبناء باب التبانة في تعطيل سير الشاحنات الى سوريا لاعتقادهم الراسخ أن السلطة أجبرت حاكم مصرف لبنان على ضخ سيولة دولارية في الأسواق كي يتواصل التهريب إلى سوريا على حساب فقراء لبنان عامة وباب التبانة خاصة، وقد سقط نتيجة المواجهات مع الجيش اللبناني فيها نحو 90 جريحا بينهم نحو 17 جنديا، وهي المواجهات التي استُحضرت فيها الذكريات المرّة للحروب والمآسي التي أصابتها ودمرت أبنيتها وبنيتها التحتية والفوقية وأسواقها وقتلت شبابها وسجنت أبناءها وهجرت الكثير من عائلاتها عندما كانت أداة في لعبة المحاور وصناديق البريد الإقليمية، وهي المواجهات التي كشفت عن بعض التجرؤ من أبناء التبانة على الجيش، لأنهم كشفوا في طريقة تعامل الجيش الخشن والمسيل للدموع معهم سلوكا تمييزيا عن تعامله مع "الأمليين والحزبلاهيين" وهذا السلوك التمييزي من قبل الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية راكم الكثير من الاحتقانات والتوترات النفسية ضد الجيش الذي يشوب سلوكه أيضا ازدواجية لافتة تتمثل أحيانا بنوع من التناقض بين مواقف قيادة الجيش وبين التدابير التي ينفذها بعض الضباط على الأرض، وسبب التناقض ناتج عن ضعف القدرة على توفير توازن الأداء الميداني مع مواقف قيادة الجيش وبيانها التوجيهي حيث يرى بعض أبناء التبانة "أن فقدان التوزان يرجع لتعدد القرارات والضغوط على الجيش بفعل تضارب أو تمايز أو اصطدام الموقف الحكومي مع موقف حزب نصرالله"، وأغلب الظن أن قيادة الجيش وعت مخاطر انزلاق الوضع وتطوره البشع في باب التبانة فبادرت إلى فك صاعق المواجهات وأرسلت يوم الأحد وفدا رفيعا يمثلها جال في أحيائها الرئيسة والداخلية والتقى مشايخ المنطقة وفاعلياتها الشعبية حيث عقدت مصالحة أكدت على العلاقة المتينة التي تربط باب التبانة بالجيش اللبناني والجيش بباب التبانة التي كانت تسمى "باب الذهب" بوصفها الشريان الاقتصادي ليس لطرابلس والشمال فحسب، وإنما لبعض سوريا أيضا، وباتت بفعل الحروب فيها وعليها عنوان الفقر المدقع بشهادة منظمات الأمم المتحدة وبرامجها المختلفة، وبالمناسبة تعتبر باب التبانة معقلا للجيش الذي وزع الأهالي على ضباطه وجنوده الحلويات تعبيرا عن رسوخ المصالحة التي انعكست ارتياحا وهدوءا واستقرارا في كل أرجاء طرابلس نهار الأحد الذي تخلله أيضا واستنكارا لأعمال العنف في المدينة اعتصام في "ساحة النور" تحت عنوان "طرابلس مدينة السلام" بمشاركة ممثلين عن نقابات المحامين والأطباء والمعلمين والإعلاميين والمثقفين وسيدات المجتمع الأهلي في محاولة جادة وهادفة لإعادة الروح الى الساحة بهدف استئناف اعتصاماتها وأنشطتها المدنية.

لكن يبدو أن فك صاعق التفجير في باب التبانة واعتصام ساحة النور لم يروقا لبعض المجموعات والجماعات من خارج التبانة وحراك 17 تشرين، فعملوا على إشعال ليل الأحد ضربا وتكسيرا وحرقا كيديا وانتقاميا لمؤسسات ومطاعم ومحلات دعم أصحابها اعتصامات المدينة ضد منظومة سلطة الهدر والفساد في أكبر عملية ترهيب وترويع مجنونة ندر أن شهدت طرابلس مثيلا لها حتى إبان الحرب المشؤومة، فما الذي حصل لها وفيها، وهل بات لطرابلس الخندق الغميق الخاص بها، ومن هي الجماعات والمجموعات التي أرهبت المدينة وروعت أهلها الذين تنادوا ونزلوا الى الشوارع للتصدي لعصابات الغوغاء وارتفعت أصوات من بعض شباب الأحياء وأصحاب المحلات مطالبة بتأمين الحماية الذاتية من مستبيحي المدينة لكن مفتي طرابلس الجديد الشيخ محمد إمام كان قاطعا في رفض الأمن الذاتي وشجب استباحة المدينة وتأكيد حرية التظاهر والحراك السلمي ما أحرج الجيش وعزّز شكيمته في مطاردة عصابات التخريب في آن واحد، كما وكثف الأسئلة المقلقة التي يفترض أن تجيب عليها التحقيقات الأمنية والقضائية مع العصابات الغوغائية الذين أوقف الجيش غالبيتهم بعد مطاردات واسعة شارك فيها بعض مكونات 17 تشرين التي تبرأت غالبية هيئاتها مما اقترفته العصابات الغوغائية.

لكن المناخ الذي عكسه أبناء المدينة على مواقع التواصل الاجتماعي يقول إن هذه العصابات الصغيرة العدد تتبع "سرايا المقاومة" وغيرها من التابعين لحزب الله الذي يبدو أنه قرّر بعد إخضاعه مصرف لبنان وحاكمه والقطاع المصرفي بهدف مواجهة العقوبات الأميركية المرتقبة، قرّر إشاعة الفوضى في طرابلس وبيروت قبل غيرهما، وهي الفوضى التي تزامنت مع ضبط حزب الله اللافت لقوته الناعمة المتمثلة بالدراجات النارية في الضاحية الجنوبية والخندق الغميق، ضبط يشي باعتراف الحزب أنه هو من يطلقهم وهو من يحجرهم، ضبط أراده رسالة تحذيرية هادفة لتأمين استمرار خضوع وانصياع حاكم المصرف المركزي بهدف ضمان توجيه وانسيابية اعتمادات مصرف لبنان الدولارية وسيولته النقدية التي بدأ ضخها في السوق وفقا لأجندة الحزب الخاصة في مواجهة تداعيات "قانون قيصر" عشية بدء سريانه على الحزب وسوريا معا، هذه المواجهة التي يخوضها الحزب في مواجهة الأميركيين لتمكين إيران من امتلاك أوراق القوة الممكنة في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، تستدعي بالضرورة ضمنا (كي لا يتجرأ مجددا طرابلسي ما، على إعاقة الشاحنات المتجهة إلى سوريا) إبقاء طرابلس مدينة مسيلة للدموع وأسيرة فوضى منظمة وكأنها مسقط رأس "كوندوليزا رايس" وليس "فوزي القاوقجي".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.