عاجل

البث المباشر

سرت والجفرة.. بيت قصيد لأردوغان أم مربط فرس السيسي

بوضوح كامل كشف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عن "الخطة البديلة" المكمّلة لإعلان القاهرة الهادف لإيجاد حل سياسي في ليبيا. وهي الخطة القائمة على الردع والتوازن، حيث اعتبر السيسي أن مدينتي سرت والجفرة "خط أحمر" يمنع على قوات الوفاق والجحافل التركية الاقتراب منه.

وهما المدينتان اللتان أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفض التفاوض قبل السيطرة عليهما. كما قالت الرئاسة التركية أن التوصل لوقف دائم لإطلاق النار في ليبيا يتطلب انسحاب قوات خليفة حفتر من مدينة سرت الاستراتيجية.

ما يعني أن سرت والجفرة باتتا محور ومرتكز الصراع لتثبيت النفوذ والسيطرة لأساطيل الأردوغان الغازية من جوار مفقود ومدى بلا حدود. وقد استعاض عنهما أردوغان الإخوان بنفخ متورم لأتراك أقاموا في ليبيا زمن العهد الثماني، الذي بدأ عام 1551 واستمر لعام 1911 حيث سلّم العثمانيون الأتراك خلاله ليبيا، إلى الاستعمار الإيطالي.

وبحسب الإحصاءات والأرقام الأردوغانية فقد بلغ عدد الليبيين المتناسلين من أتراك "تليبنوا ثم تعربنوا" وبقوا في ليبيا، أكثر من مليون شخص، أنشأ الأردوغان لأجل تسجيلهم وتوثيق أنسابهم وأنسبائهم في قيود الدولة العلية، قنصلية في مدينة مصراتة، بعيد إسقاط نظام العقيد القذافي لا قبله. طبعا ومن دون أن يتم فحص الحمض النووي لهم. كل ما في الأمر أنه جرى تلقيحهم وتخصيبهم إخوانيا بفتاوى الصادق الغرياني وفقا وطبقا للإحصاءات الأردوغانية المطلوبة إياها.

مليون ليبي من أصول تركية، كذبة بخّها الأردوغان في رؤوس خالية من عقول إخوانه الليبيين خدمة لإخوان تركيا. شاك وحاك وصاغ الأردوغان عليهم وباسمهم روايته الموهومة، كي يستخدمهم ليخدم بهم أجندته الممهورة بخاتم حلف الناتو تارة ودونالد ترمب أو بوتين طورا. كما حصل في عفرين وريف حلب وإدلب. حيث حول شباب شمال سوريا إلى مجرد مرتزقة وبندقية للإيجار، جرى شحنهم برا وجوا خدمة لأجندة خاصة. ظاهرها مشروع الإخوان، وباطنها السيطرة على آبار النفط والغاز في ليبيا وشرق المتوسط.

إذن سرت والجفرة هما بيت قصيد الأطماع والغزوة الأردوغانية. وهما مربط الفرس الذي حدّده السيسي كنقطة توقف يمنع على القوات الأخرى الوصول إليهما أو تجاوزهما.

فما هي باختصار أهمية هاتين المدينتين الاستراتيجية والطاقوية، ولماذا حددتهما القوتان الإقليميتين الكبيرتين مصر وتركيا كهدف مركزي في لجّة الصراع المتفجر والمستولد من رحم المفرمة الأردوغانية؟.

- سرت (محافظة خليج سرت) ذات موقع استراتيجي، يبلغ طول شاطئها 800 كيلومتر ويمتد من مدينة بنغازي شرقا حتّى مدينة مصراتة غربا، وتقع على شاطئها معظم موانئ تصدير النفط الليبي التي تسمى بالهلال النفطي. كما تضم سرت التي تتوسط شاطئ ليبيا المتوسطي الذي يبلغ طوله الفي كلم قاعدة "القرضابية" الاستراتيجية.

- الجفرة وتعتبر مفتاح إقليم فزان الصحراوي، تضم قاعدة "تمنهنت" أو قاعدة الجفرة الجوية، وتشكل عقدة المواصلات الاستراتيجية جنوبي ليبيا المفتوح باتجاه دول الساحل الإفريقي ذات النفوذ الفرنسي. وهي أيضا مفتاح الصحراء الإفريقية الكبرى التي تعتبر معقل الجماعات الجهادية القاعدية الإخوانية، وشبكات تهريب المخدرات والسلاح، والاتجار البشر، والهجرة غير الشرعية، من كل إفريقيا باتجاه أوروبا عبر قوارب الموت المنطلقة من مدينة زوارة غربي ليبيا، باتجاه جزر إيطاليا.

بهذا المعنى فالأهمية الاستراتيجية لمدينتي سرت والجفرة تتعدى دواخل الجغرافيا الليبية الشاسعة، نظرا لأنهما تقعان في صميم عقدة المواصلات والطرق القارية بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.

وفي هذا السياق يمكننا فهم خطورة وأهمية المغامرة التركية، في إحداث اهتزازات استراتيجية خطيرة في خرائط وخطوط توازنات المنطقة بهدف محاولة إعادتها إلى الحقبة العثمانية.

وإذا ما تفحصنا بنك الأهداف الذي حققته "مفرمة الأردوغان" وغزوته الانفلاشية انطلاقا من غربي ليبيا. نجد بأن قوته الابتزازية قد تضاعفت بوجه الدول الأوروبية الرافضة لضم تركيا للاتحاد الأوروبي. رغم تقديم الأردوغان وإخوانه الشرعية الدينية الممهورة بفتاوى غب الطلب من يوسف القرضاوي واتحاد علمائه الذي شرعن عدوان الناتو على ليبيا عام 2011.

"حلف الناتو" الذي ناقش منذ أيام شكوى فرنسية تنظر بعدائية لسلوك تركيا جراء غزوتها الليبية الحالية، دون أن تجد فرنسا الماكرونية أي من مفتي وعلماء فرنسا الساركوزية يخفف من عدائية الأردوغان التي انعكست تصدعا بين دول الناتو، والمرجح أن يتحول الى انقسام، يحول دونه حتى اللحظة قائد الناتو الأعلى دونالد ترمب رغم اعتباره "ان حلف الناتو فكرة عفا عليها الزمن" لحظة الضغط المشهودة على أنغيلا ميركل والأوروبيين عندما طالبهم ترمب بدفع "إتاوات" تأمين الحماية لهم، وهي الإتاوة التي دفعت ماكرون الى اعتبار حلف الناتو ميتا سريريا.

وهي "الإتاوة" التي لأجلها أعطى ترمب إشارة المرور لأساطيل الأردوغان الى ليبيا، من فوق الناتو وبدونه، وبمواكبة لصيقة من قيادة أفريكوم الأميركية، وذلك بهدف ضمان عدم تمكين فلاديمير بوتين من جعل ليبيا "قرم إفريقيا". بوتين الذي سبق واعتبر مرارا أن روسيا خدعت من طرف دول الناتو عندما تجاوزوا قرار مجلس الأمن رقم 1973عام 2011 وفخخوا تنفيذه من حماية المدنيين، الى تقويض نظام معمر القذافي وتدمير الدولة الليبية.

ما دفع بوتين ووزيره لافروف للقول وبمرارة لافتة "لقد تعلمنا من الدرس الليبي". وهو الدرس الذي لم تنسه روسيا في سوريا. ولأجل عدم نسيانه مجددا في ليبيا، يربض اليوم في قاعدتي الجفرة والقرضابية وغيرهما، عدد غير معروف من المقاتلات السوفياتية القديمة والروسية الحديثة.

أيضا فإن الغزوة الأردوغانية غربي ليبيا وسيطرة القوات التركية على قاعدة الوطية، تعني أن الكلمة الاستراتيجية العليا في هذه المنطقة ليست لجنرالات وميليشيات فايز السراج ولم تكن يوما في الأصل. وإنما باتت لجنرالات "الانكشارية" الذين أصبحوا على تماس حدودي جغرافي مع تونس والجزائر، التي خرجت في الأسابيع الماضية عن تحفظها العسكري، وشرعت في تعديلات دستورية، تسمح وللمرة الأولى منذ استقلالها للجيش الجزائري بالتدخل خارج الجزائر، لأنه بات بإمكان مسيّرات بيرقدار ومقاتلات الاردوغان المنطلقة من قاعدة الوطية تسيير دوريات الاستطلاع والتصوير الجوي ورصد رادارت الجيش الجزائري الذي ولهذا السبب بالذات فك الحجر عن مهامات خارجية تنتظره.

لكن الجزائر استبقت تفعيل منصّات رداراتها الصاروخية، بتنشيط منصاتها الديبلوماسية التي أثبتت قدرتها على التواصل مع طرفي الصراع في المشهد الليبي، فاستقبلت منذ أيام كلا من عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي، وبعده فايز السراج رئيس حكومة الوفاق ذو الأصول التركية في محاولة لإطلاق مبادرة تنهي الأزمة في ليبيا، وهي لطالما استقبلت في سنوات عبدالعزيز بوتفليقة الأخيرة وبترتيب متقن من غنوشي تونس، صلابيو ميليشيات ليبيا وصالبيها، الذين كانت تربطهم علاقات وشيجة باخوان غير أشقاء لهم من الجزائر في قندهار وتورا بورا.

أما الديبلوماسية المصرية، فهي بخلاف نظيرتها الجزائرية. فقد أجرت بعد خلع محمد مرسي قطيعة كاملة مع الميليشيات الإخوانية القاعدية المتنفذة في حكومات ما قبل السراج الذين اختطفوا من قلب القاهرة عددا من رموز النظام الليبي السابق، ولأن الكثير من الأعمال الإرهابية التي شهدتها مصر عامة والقاهرة خاصة قد انطلقت من مدينتي درنة وبنغازي شرقي ليبيا حيث كان يتدرب "الجيش المصري الحر"، قبل أن يحررهم الجيش الليبي مدعوما من نظيره المصري.

وسط هذه المشهدية، ثمة موقف مصري جديد، أفصحت عنه القاهرة بتحديد موقع بناء حجر الصد، في مدينتي سرت والجفرة. وقد أعلن ذلك الرئيس المصري خلال جولته التأهبية في قاعدة البراني العسكرية، قرب الحدود الغربية مع ليبيا. حيث منح الاستعراض الرصين والمهيب، الذي نظمته القوات المسلحة المصرية، كامل الجدية الاستراتيجية في التصدي للغزو التركي، وهي تعلن جاهزيتها القتالية واستعدادها للتدخل صونا للأمن القومي العربي ولأمن مصر القومي، بحضور وفد من مشايخ القبائل الليبية في المنطقة الشرقية، وهو الحضور الذي أعطى التدخل العسكري المصري قبل حصوله، شرعية استباقية ليبية رسمية وشعبية، من البرلمان والجيش الليبي وقبائل الشرق الليبي.

أما غربي ليبيا فقد أصدر مجلس وأعيان قبائل ترهونة المنكوبة من غزوة القوات التركية وقوات الوفاق والمحاذية لطرابلس بيانا أعلن فيه "أن تدخل مصر في الشأن الليبي هو تدخلا مشروعا وفق معاهدة الدفاع العربي المشترك".

والى جولة طبول الحرب التي لوح بها السيسي، ثمة جولة سياسية ديبلوماسية تتمثل باجتماع افتراضي لوزراء الخارجية العرب بدعوة من مصر، للنظر في تهديدات تركيا للأمن القومي العربي والمصري، وهو الاجتماع الذي استبقته السعودية بإعلان وقوفها الى جانب مصر في الدفاع عن حقها وعن حدودها وشعبها من نزعات التطرف والميليشيات الإرهابية وداعميها في المنطقة، كما وتأييدها لما أبداه السيسي بأنه من حق مصر حماية حدودها الغربية من الإرهاب. وهو الاجتماع الذي سيُقاس حجم أهميته ومستوى نجاعته وجديته بموقف دول جوار ليبيا وخاصة الجزائر بوصفها أبرز وأقوى دول جوار غرب وجنوب ليبيا.

اذن سرت والجفرة هما الخط الأحمر، وتجاوزهما يشكل تهديدا استراتيجيا للأمن القومي العربي والمصري في آن كما صرح السيسي، وهما هدف الغزوة التركية التي لن تتوقف قبل السيطرة عليهما كما أعلن الاردوغان.

لكن وفي ثمانينات القرن الماضي، أطلق القذافي اسم خط الموت على خليج سرت، بعد مواجهة مع الأميركيين أسقطت خلالها طائرة F13 أميركية. وفي عام 2011 تشاركت بوارج وأساطيل الناتو ومقاتلات فرنسية وأميركية وتركية في تحويل سرت إلى ستالينغراد العصر.

وعلى ذكر القذافي، فأغلب الظن أن دول الناتو وأولهم فرنسا، يسألون أنفسهم عن الحماقات التي ارتكبوها في ليبيا بذريعة ظاهرها حماية المدنيين، وباطنها سرقة نفط وغاز وثروات الليبيين، ويعجزون اليوم عن مشاركتها مع الاردوغان، ناهيكم عن سحبها من فم التنين.

وأغلب الظن أن الأردوغان وانطلاقا من محاولته السيطرة على خليج سرت، يكون قد أدخل أوروبا وشمال إفريقيا والدول المتوسطية في زاوية ضيقة مفتوحة على مسرح الحرب الكبرى التي لم تتبلور حيالها مواقف بوتين المختلفة عن مواقف ترمب الذي أعطى الأردوغان إشارة المرور إلى غربي ليبيا.

لكن هل الإشارة الترامبية تغطي الأردوغان في الحرب الكبرى القادمة.. أم أن صلاحية مقولة هيرودوت: "من ليبيا يأتي الجديد" لم تنته بعد، ليكون جديد مفاعيلها دفن الأحلام الأردوغانية في رمال الصحراء الليبية وليس على شواطئ الإسكندرية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات