عاجل

البث المباشر

حوار عون.. بين دفرسوار حزب الله ومفخخات باسيل

منذ انتزاع حزب الله ما اصطلح على تسميته بـ"الثلث المعطل". أي "الفيتو" على قرارات مجلس الوزراء، إثر عملية 7 أيار غير المجيد. وهو يقضم مفاصل ومرتكزات السلطة في لبنان، والتحكم في تكوينها وتحريكها وضبط توجيهها وصوغ توجهاتها بما يخدم أجندته الخاصة.

وقد تدرّج حزب الله في قضم مفاصل السلطة، عبر امتلاكه وحلفائه السائرين بعكس أحلام الثائرين على نظام الفساد والمحاصصات المذهبية والطائفية، أكثرية نيابية في البرلمان اللبناني، مكنت نصرالله من فرض انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية، بعد شغور موقع الرئاسة لأكثر من سنتين، عبر تسوية ضمّت إلى حزب نصرالله، تيار ميشال عون ومستقبل سعد الحريري.

وهي التسوية التي سمحت للحزب في سياق قضمه لمفاصل السلطة بالتفرّد في إنتاج رئيس جمهورية. وهي التي سمحت أيضا للحزب بالتدخل في تعيين وزراء في الحكومة من خارج حصته وحركة أمل. وقد تجلّى ذلك بفرضه توزير ممثل عن نواب "اللقاء التشاوري السني"، المكون من نواب محمولين على لوائح وأصوات الثنائي الشيعي، أو لوائح متحالفة معه، ومن مناطق متباعدة جغرافيا من قبل غزوة كورونا، ومن دون أن يشكلوا لائحة أو تحالفا انتخابيا بينهم قبيل الانتخابات.

لكن حسابات نصرالله قضت بجمع نواب "سنة حزب الله"، ولو من كل واد عصا، في إطار اللقاء التشاوري بهدف فرض توزير أحدهم لاستكمال أنصبة الثلث المعطل، وهو الفرض الذي شكّل اختراقا وتدخلا فجّا لحزب الله في البيت السني، الذي لم يعد معقود لواء حصرية تمثيله لسعد الحريري، الذي لم يقرأ المتغيرات التمثيلية جيدا. بل حاول تجاهلها، ومن ثم إلغاء نتائجها عبر تغييبها عن تشكيلته الحكومية. ما سمح لنصرالله بتحويل هذه الثغرة إلى "دفرسوار" داخل الطائفة السنية، والتي صاغ بواسطتها حيثية سنية موازية ولو غير متناسبة مع حيثية ممثل الأكثرية السنية.

دفرسوار نصرالله السني، سمح له أيضا بعد استقالة حكومة سعد الحريري بتجاهل كامل الأكثرية السنية وتصفير كامل قوتها السياسية. وهو التصفير الذي انعكس عند تكليف حسان دياب برئاسة الحكومة، بضبطه عاريا من أي رداء سني. لكن نصرالله الذي يحسن تجميع الأوراق المناسبة وتخصيبها بهدف استخدامها في التوقيت والمكان المناسبين، وظّف دفرسواره السني لأجل تأمين تغطية سنية ولو هزيلة لحسان دياب قبل حكومته.

ولعلّ من أبرز إشكاليات اهتزاز واقع السنة وموقعهم في النظام اللبناني، هو منصب رئاسة الحكومة. الضلع الثالث في ترويكا الحكم اللبناني. إنه الضلع المتغير بين ثابتين.

فرئيسا الجمهورية والمجلس النيابي، ينتخبان لعهدة زمنية دستورية ثابتة، بينما لا عهدة زمنية دستورية ثابتة تحصن موقع رئاسة الحكومة، وتقيه من الاهتزازات المتوالية بسبب لعنة أو لعبة الديمقراطية. فرئيس الحكومة خاضع كما الحكومة، لمنطق وآليات التغيير والتبديل في أية لحظة. وهو التغيير الذي أصاب ويصيب المكون السني غالبا، بنوع من الإحباط كلما أقيل او استقيل أو استقال رئيس حكومة ما.

ولعلّ عدم اقتران رئاسة الحكومة بمدة زمنية ثابتة، ساهم في تمكّن حزب الله من قضم كل السلطات ومفاصلها المفصلية، وهو القضم الذي ساهم عمليّا في بلع حزب الله للدولة، ما يسقط نظرية بعض 14 آذار القائلة إن "حزب الله دويلة داخل الدولة".

وهي النظرية التي استبدلها أداء حزب الله وسلوكه داخليا وتمدده خارجيا بشكل مواز للدولة وبعيدا عن خياراتها وحساباتها، ومنها النأي بالنفس، بنظرية أكثر صوابية تقول إن "الدولة باتت داخل الدويلة" رغم نفي نصرالله المتكرر لهذه النظرية قبل وأثناء وبعد تشكيله حكومة حسان دياب.

وهو النفي الذي دحضته وتدحضه وقائع كثيرة. وهما النفي والدحض اللذان تحولا إلى نكتة سياسية سمجة، وباتا محل تهكم وسخرية جموع المتظاهرين الغاضبين من ميليشيا المال والسلطة والسلاح الحاكمة والمتحكمة في البلاد.

وما ردّ نصرالله الأخير على قانون قيصر وعقوباته المفروضة على سوريا، وشيفرته اللبنانية، ومحاولته فرض توجهاته على الحكومة والطبقة السياسية، وتفرده الأحادي كزعيم حزب حاكم في توجيه التهديد الصريح مضمونا، والغامض وغير المحدّد استهدافا، لكل من يخيره بين الجوع والسلاح بالقول: "لن نجوع، وسيبقى سلاحنا بأيدينا، وبسلاحنا سنقتلك، سنقتلك، سنقتلك"، إلا تأكيدا سوبر صريح على المدى الذي بلغه نصرالله في قضم الدولة وبلعها.

في خضم هذه التطورات تتعمّق إخفاقات حكومة حزب الله برئاسة حسان دياب، وتتداعى خططها الاقتصادية، وتنهار معالجاتها المالية، وتتهاوى أسعار العملة المحلية أمام الدولار الذي تجاوز الستة الآف ليرة في مستوى غير مسبوق، وغير محدد الأسقف. ما يشي بأن وضع الليرة اللبنانية بات متلازم المسار والمصير ليس مع سوريا وليرتها فحسب. بل مع التومان الإيراني. وهو التومان المغطى والمعزّز بثروات نفطية وغازية والمحمول على منصات نووية وصواريخ بالستية، أين منها صواريخ نصرالله وسوقه الشرقية؟.

وسط هذه المشهدية السوريالية، وجّه رئيس العهد القوي ميشال عون الدعوة لرؤساء الجمهورية والحكومة السابقين ورؤساء الكتل النيابية للحوار في قصر بعبدا، (دعوة سبقها بتاريخ 6/5/2020 حوار في قصر بعبدا لدعم خطة الحكومة للإنقاذ الاقتصادي، حظيت بمقاطعة كتلة المستقبل ورئيسها سعد الحريري ورؤساء الحكومات السابقين)، وهي المقاطعة التي طعنت بحيثية المكون السني في الحوار، كما اتهمت ميشال عون بالجنوح نحو سلوكيات نظام رئاسي على حساب النظام الديمقراطي.

لكن الرئاسة اللبنانية قالت في رد متوتر إن دعوة ميشال عون "تندرج في صلب التعاون بين المؤسسات، وإن الامتناع عن المشاركة يحمّل الممتنع تداعيات قراره تجاه اللبنانيين والمجتمع الدولي. وإن الحديث عن نظام رئاسي هدفه التضليل".

رغم هذا وجه ميشال عون الدعوة لحوار جديد الخميس القادم. للوهلة الأولى ساد اعتقاد بأن اتصالات نبيه بري ووليد جنبلاط ولقاءاتهما المكثفة مع سعد الحريري شكلت كاسحة ألغام أمام حوار بعبدا.

لكن جبران باسيل "صهر العهد القوي ورئيس التيار غير المختلف أيديولوجيا مع إسرائيل"، عقد مؤتمرا صحفيا السبت الماضي، فخّخ فيه عمدا أو قصدا طاولة حوار بعبدا، عندما دخل على خطوط التوتر المذهبي والطائفي ونكأ جراحها من باب وأدها، ثم طرح حلوله الاستباقية للحوار اقتصاديا وماليا وإصلاحيا، ثم قصف جبهة شركاء الحوار المفترضين، واتهمهم بالاغتيال السياسي لتياره، لينتقل إلى استفزاز الشارع المستفز من كل إطلالة باسيلية، بقوله "بعدني عم هدّي شبابنا ليتحمّلوا الشتيمة والتعدّي من أي أزعر". وفي خطوة تعبر عن عمق مأزقه وانسداد الأفق أمامه (كبّ باسيل سطل الحليب)، قائلا: "ما بدي اعمل رئيس".

إذن فخّخ باسيل حوار بعبدا، وساهم في إشاعة مناخ من التشنج في طول البلاد وعرضها، ولم تنفع كاساحات نبيه بري في إزالة الألغام أمام حوار ساكن قصر بعبدا، الذي يبدو أنه ارتجل هذه الدعوة ولم يستفد من إخفاقه في تأمين النصاب الوطني اللازم للدعوة السابقة. وهو الإخفاق المرافق للدعوة الثانية التي أعلن وليد جنبلاط حضورها، فيما التزم سليمان فرنجية بعناد الاعتذار المتكرّر. وفي حين أعلن ميشال سليمان الرئيس المستولدة رئاسته من "اتفاق الدوحة" مشاركته في الحوار، اعتذر الرئيس السابق اميل لحود عن المشاركة لأسباب غير خلافية مع ميشال عون بل مع غيره من المشاركين في الحوار، فيما أمين الجميل تمنّى على الرئيس عون تأجيل اللقاء "لأن الدعوة بالشكل الواردة فيه لا تحاكي الخطر الوجودي المتربص بلبنان في ضوء المخاطر الداخلية والإقليمية ومصادرة السيادة وقرار الدولة". وهو التمني الذي يعكس نوعا من الطعن بجدوى وأهلية وظروف الحوار.

ومن خارج الشخصيات المسيحية المدعوة برز موقف لافت للبطريرك الماروني بشارة الراعي طالب فيه ميشال عون ولقاء الحوار في حال عدم تأجيله إصدار وثيقة تتضمن التأكيد على "صيانة مرجعيَّة الدولة الشرعية بجميع مؤسساتها، خاصة تلك الأمنية والعسكرية، والإقرار الفعلي بسلطة الدولة دون سواها على جميع الأراضي اللبنانية، والالتزام بجميع قرارات الشرعية الدولية".

وهي ذات النقاط التي يتشاركها البطريرك الراعي مع طيف لبناني واسع، منهم العلامة السيد علي الأمين الذي فعّلت النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان الدعوى المرفوعة ضده من بعض المحامين والإعلاميين "بجرائم الاجتماع مع مسؤولين إسرائيليين بينهم الحاخام موشيه عمار خلال مؤتمر حول حوار الأديان في البحرين". وهو الاجتماع الذي نفاه المفتي الأمين.

وهي الدعوى التي أراد حزب الله عبرها، إقفال أي ثغرة قد تتحول إلى دفرسوار داخل البيئة الشيعية. ولهذا دفع باتجاه عزل الأمين عن موقع الإفتاء الجعفري، وهو العزل السابق بسنوات لمؤتمر البحرين. إنها الدعوى لإسكات أي صوت معارض لحزب الولي الفقيه.

وهي الدعوى التي حركتها عدالة العهد القوي التي أفرجت عن العميل عامر فاخوري، الذي تشي تطورات الإفراج عن رجل الأعمال قاسم تاج من الولايات المتحدة أنها تمت بصفقة مع حزب نصرالله وليس كما ادعى نصرالله نفسه.

لكن الضربة الأقسى التي تلقاها حوار بعبدا، كانت من "رؤساء الحكومة السابقين" الذين لم تتمكن كاسحات نبيه بري ووليد جنبلاط وأيضا اللواء عباس إبراهيم من ضمان مشاركتهم، وقد أعلنوا عبر لسانهم السليط فؤاد السنيورة بيان عبارة عن "مضبطة" اتهام لرئيس الجمهورية أكدوا فيه "اعتذارهم عن عدم المشاركة كرسالة اعتراض صريح على عدم قدرة هذه السلطة مجتمعة على ابتكار الحلول التي تنقذ لبنان بكل مكوّناته".

بدون شك، شكل اعتذار رؤساء الحكومة السابقين صفعة قوية لوكيل نصرالله في بعبدا.

فهو الاعتذار الذي سيدخل في أنصبة تخصيب تعرية "الدولة والدويلة" معا، بغض النظر عن حجم ونوعية التداخل فيما بينهم.

وهو الاعتذار الذي سيدفع رئيس الجمهورية إلى الاستعانة بدفرسوار نصرالله السني المكتنز للأيام السوداء، فيستعيض عون عن مقاطعة رؤساء الحكومة السابقين، بممثل عن نواب "سنة حزب الله" واسمهم الكودي "اللقاء التشاوري"، إضافة لرئيس الحكومة حسان دياب العاري أصلا من الرداء السني.

إنه الاعتذار الذي يعرّي دفرسوار حزب الله السني، الذي بات أشبه بـ "ورقة التوت" التي يتغطى بها العهد القوي كما تغطى بها حزب نصرالله سابقا، وقد أصبحت ورقة التوت هذه، نتيجة لتعدد استخداماتها بحاجة لتغطية في داخل بيئتها المأزومة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات