عاجل

البث المباشر

حوار القلوب والحدود..بين الوزير والرئيس

منذ أسبوعين، قام الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح بزيارة إلى العراق؛ ليتحاور مع قادة العراق بعد تولي السيد مصطفى الكاظمي رئاسة الوزارة، لمناقشة ملف البلدين مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية، وتواصل مع البرلمان ورئاسته.

ذهب الشيخ أحمد إلى بغداد حاملاً ملفّاً من صفحتين، يريد أن يطوي واحدة، ويجمل الأخرى بالمودة والصراحة والصدق بالالتزام بما يتم التوصّل إليه لسحب العلاقات بين البلدين إلى ساحة ثقة وبناء وتفاهم وعناق، الأولى فيها شروخ الغزو، وليس من السهل تجاوزها، فما زلنا نعاني من أعباء الغزو Invasion Syndrome فيه الغضب والصدمة والألم ودمار الثقة، مع قرار كويتي حمله الشيخ أحمد لتجاوز ما فيه، وهنا يأتي الدورالأساس للعراق، فلا بد أن يتعرف المسؤولون في العراق على حجم الإثم الذي ارتكبه النظام البليد السابق، وأن تبدأ المشاركة الثنائية الكويتية ـــــ العراقية لعلاجه للوصول إلى الصفحة الإيجابية في العلاقات التي رسمها بشكل محبب السيد رئيس الوزراء العراقي السيد مصطفى الكاظمي، وعبّر عنها بصياغة جوهر التحرر من مخاوف الماضي، وبناء مستقبل منير بين الكويت والعراق. وفي كلماته عزف صادق لأناشيد مستقبلية، فسيرته في التصدي للاستبداد وعبثيات صدام في مصير العراق مدوّنة في تاريخه، مستوحاة من تعبيراته «من يسرق مستقبل العراقيين يسرق أراضي جيرانه أيضاً»، ويلوح في تعبيراته بأن الكويت الجارة الأقرب إلى الحدود والقلوب، بالإضافة إلى التوجهات التي يرددها علناً، اولها سيادة مبدأ حسن الجوار والبناء على موقف الحكومة المركزية في بغداد، والانطلاق في العلاقات في ورشة سلام حضارية مشتركة بين الدولتين في المسارات السياسية والاقتصادية والثقافية والمناهج الدراسية، وتتضمن الورشة أيضاً معالجة الملفات العالقة، وفق القواعد القانونية والأخوية التي تلتزم مصالح الطرفين، اعتماداً على إحقاق الحقوق، وإزالة المعوّقات من دروب التعاون، وتتضمن هذه الرؤية ملفات الحدود البحرية والتعويضات.

ومن الواضح أن السيد مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء يملك عيناً ثاقبة في ما يوفره العراق من فرص واسعة في المساعي الاستثمارية والتجارية والمشاريع التنمية الكبيرة..

ونظراً الى أن هذه الخطة الضخمة تحتاج آلية التنفيذ والمراقبة للاطمئنان على جدواها فلا بد من إحياء تطوير اللجان المشتركة بين البلدين بصلاحيات تجاوز العقبات، مع تفعيل مقررات مؤتمر الكويت للمانحين وإعادة إعمار العراق ولجانه المختصة.

ولا بد أن تقترب المواقف في دبلوماسية البلدين حول قضايا المنطقة وحول ما يشغل العالم العربي من مشاكل وتحديات، والحذر من الانزلاق في صراعات تحرّكها مصالح خارجية، مع تأكيد التعظيم لمعاني السيادة واحترام استقلال الدول على مواردها الطبيعية، والتزام أهم عنصر في العلاقات الدولية الداعي إلى حل القضايا بالوسائل السلمية.

هذه حصيلة غير مسبوقة من رحلة سريعة إلى العراق، ولا شك في أن الحصاد برز في إرادة الطرفين، ومن تفاهمهما، الذي سهّلته شخصية المحاورين من رئيس الجمهورية ورئيس الوزارء ورئيس البرلمان ووزير الخارجية، ومحبوبية الشيخ أحمد ومفرداته الناعمة وطيب معشره، ويعود الفضل الأعظم لقناعات سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الذي سبقنا جميعاً في تصديه لأوجاع الغزو وقراره بأن الشعوب التي يكسرها الألم لا تملك إرادة النهوض، ولذلك كان سبّاقاً بقراره، ومرحّباً بقناعة، وعازماً على عبور جدار الإعياء الذي أصابنا جميعاً..

وبودّي أن أشير إلى ثلاث حقائق، لا بد أن تتواجد في ملفنا في البناء الثنائي العراقي ـــــ الكويتي:

أولاً: لا جدال في أن الزيارة سجلت اختراقاً سياسياً سيكولوجياً جوهرياً لإعادة الثقة والتصالح مع غريزة الاطمئنان التي غابت منذ ذلك اليوم المشؤوم، ويتحمّل المسؤولون في العراق أكثر من دورنا في إحياء الثقة والاطمئنان، وليعلم الفاضل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أن الغزو ولّد لنا مشاعر غير صحية لم نكن نعرفها، وليست من تراثنا. أدخل الغزو في داخلنا «الشوفينية» الحادة، وتملّكنا الشك، وصارت قوى الشك في صدارة التمعّن في كل ما يأتي من العراق، وأدرنا ظهرنا للأدبيات السياسية للدبلوماسية العربية، وتحصّنا بآليات خلقها منطق المصالح، وأعترف بأن تفكيك هذا التوحّش يستغرق وقتاً، لكن لا مفر من إزالته، علينا مسؤولية مشتركة، لكن الدور الأساس يعتمد على سلوكيات العراق الجديد.

ثانياً: سعدنا كثيراً بإشارة رئيس الوزراء إلى توجّه حكومته نحو مجلس التعاون، وعزمه على الانفتاح الدبلوماسي مع الدول الأعضاء، فتجربة المجلس مع نظام صدام حسين وجماعة البعث ليست فيها مشاعر البهجة والارتياح. كان صدام حسين يشتم الخليجيين ويحقر مكانتهم؛ لأنهم رفضوا الانصياع لمغامراته ضد إيران، كان يتوعّد الامارات، لا سيما دبي، ويدفع الكويت لتكون طرفاً في حروبه مع إيران، ويتوعّد بالأذى إذا تم الاتصال بالسلطة الإيرانية، فضلا عن مخابراته وتفجيراته، وحوّل سفارات العراق إلى مخازن للتآمر وحماية المجرمين، مع اختطاف عراقيين من مدن خليجية، متطاولاً على السيادة الخليجية..

ولا داعي للتأكيد أن حسن العلاقات مع الكويت ودفن الأطماع، والولاء للحقائق، واحترام السيادات، تشكل الضرورة لتقبّل خليجي للتعاون الواسع والمثمر في جميع المجالات؛ فالكويت هي المعبر الذي تتأكد من خلاله نقاوة النية العراقية، Bone Fide، فهي وثيقة القبول المستقبلي، ومن دونها يتزايد الحذر ويتواصل البرود، وهي الوسيلة التي تنقل علاقات العراق مع الخليج إلى التآخيFrom Correct to Brotherly..

ثالثاً: أود الإشارة إلى دور الأطراف الثلاثة: إيران والعراق ومجلس التعاون في الحفاظ على معاني الجوار الآمن، وندرك جميعاً أن أهم ضمان للجوار الآمن هو احترام توازن القوى في المنطقة، بلا عبثيات حول الحدود تخل بأصول المعادلة، لأن في ذلك أبعاداً تمسّ مصالح الأسرة العالمية، بما فيها القوى الكبرى الواعية للمنزلة الخاصة التي تتمتع بها المنطقة في سلم الأمن الجماعي العالمي ودورها في تأمين الازدهار الاقتصادي وسلامة الحياة في هذا الكوكب.

ومن المناسب أن أشير إلى دور مجلس التعاون خلال الحرب العراقية ـــــ الإيرانية في إفشال مخطط إيران لتغيير خطوط الحدود المتوارثة بينها وبين العراق، وقد جاء دعم مجلس التعاون للعراق تجسيداً لموقف المجلس في حماية الخطوط المعترف بها دولياً للمنطقة. Volume 0% مع التذكير بأن الحشد الدولي ضد الغزو العراقي تصدّى لنظام صدام حسين، لأنه تطاول على المحرمات في خريطة المصالح العالمية وتجاسر على أمن المنطقة لابتلاعه دولةً قائمة معترفاً بها، وتملك ذاتية حيوية في المجتمع العالمي.

ومن المهم أن تترسّخ هذه الحقائق في واقع العلاقات العراقية ــــــ الخليجية، وتتناغم المفردات ومحتويات قاموس التعبير العراقي مع هذه الوقائع. نتطلع إلى استمرار الاستقرار في العراق، من دون استقرار، لا تقدم ولا ثمار، وواقع العراق الحديث يؤكد أن العراق يضطرب إذا احتكرت فئة من الفئات المكوّنة للشعب العراقي السلطة ومارست الأساليب الدموية للبقاء، فلا مناص من نظام يضمن الجميع ويقنع الكل، ويؤمِّن لكل الفئات الحرية وكرامة المواطنة وحقوقها، ومن يتذوّق الحرية يتلزم بما لديه، رافضاً العنف، معتزاً بوطنه.

يغمرنا التفاؤل بمسار العراق الملتزم بالمبادئ الإنسانية السامية في حسن الجوار وطيب السلوك والحرص على السلام والاستقرار وتدشين منظومة جوار، تتميز بالتنسيق الدبلوماسي والتداخل الاقتصادي على قاعدة تبادلية المصالح في كل المجالات، لا سيما في خانة الاستثمار بتشجيع القطاع الخاص الكويتي لإطلاق ديناميكية الإسهام في إعادة الإعمار والتواجد في بنية العراق المستقبلية الواعدة.

* نقلا عن "القبس"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة