عاجل

البث المباشر

الغنوشيون والطريق إلى مكة

"لو أدرك البوعزيزيون أن حركة النهضة ستركب موجتهم، وتسطو على ثورتهم، لتبرأوا من محمد البوعزيزي، ووصموه بما هو أبشع من الجنون، وقبل صياح الديك". عبارة لطالما ردّدها على مسامعي بعض ياسمينات تونس ومثقفيها في مقاهي المرسى الجميلة بضاحية تونس الخضراء.

فاغتيال محمد البراهمي وبعده شكري بلعيد عام 2013، حامت شبهات المسؤولية السياسية عن اغتيالهما على حركة النهضة. وأشارت وثائق اتهام هيئة الدفاع عن البراهمي وبلعيد الجنائية على ما بات يعرف بـالجهاز السري لحركة النهضة، والموازي للأجهزة الأمنية الرسمية في تونس.

إنها الوثائق التي فرضت نفسها على اجتماع لمجلس الامن القومي التونسي ترأسه الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في نوفمبر 2018، أكد فيه "إحالة ملف الجهاز السري الى القضاء، ليضيف السبسي بأنه سبق وتلقى شخصيا تهديدات من النهضة".

ورغم أن السبسي (الذي خلف محمد الغنوشي في رئاسة الوزراء في عهد فؤاد المبزع عام 2011) حوّل تونس وبالتناغم مع غنوشي النهضة الى قنطرة يمر من فوقها ومن تحتها السلاح والمسلحين والعتاد الذين كانت قطر تتولى شحنهم الى ليبيا، بحرا عبر مرفأ جرجيس، وجوا عبر مطاري جربة ورمادا جنوبي تونس، رغم هذا هدّدته النهضة بالاغتيال في نوفمبر 2018. إنه التهديد الذي ما كان له أن يحصل لولا الاختراق العميق في أجهزة تونس الأمنية والدفاعية. إنه الاختراق الذي أحدثته قطر بوصفها متعهدة الثورات المسمومة لصالح رعاتها الدوليين عبر شراء ولاء رئيس الأركان التونسي رشيد عمار وغيره من المسؤولين.

إنهما "الولاء والشراء" اللذان شكّلا "الثغرة" التي استثمر فيها غنوشي النهضة (زمن المنصف المرزوقي، أو "الطرطور" كما وصفته بعض النخب والإعلام في تونس)، فحولها إلى فجوة كبيرة جوّفت أسرار وأسوار ودهاليز أجهزة الأمن التونسية.

إنها الفجوة التي تمدّد في ظلالها وعبرها جهاز النهضة السري، الذي تدرب برعاية إخوان مصر، وتوجيه إخوان الأردوغان على كيفية التغلغل في مفاصل الدولة التونسية.

جهاز النهضة السري، هو الذي يتولى جمع المعلومات وفحصها وتنسيقها ووضع السياسات المتسقة مع البرنامج الإخواني العام، ويتولى متنفذو الغنوشي تأمين التغطية الرسمية لها وتظهيرها، ولو أدى ذلك إلى تظهير الدولة التونسية برأسين، متباعدين لأسباب إخوانية لا كورونية. حيث بلغ الأمر بالغنوشي مؤخرا، حدّ التناقض مع موقف الرئيس التونسي قيس سعيد الذي أطلقه من باريس بوصفها عاصمة التأثير ما قبل الأولى على تونس.

إنه الجهاز الحقيقي المقوّض لمطلق دولة للإخوان موطئ قدم ولو غير متقدم فيها. وهو الجهاز الذي يتشكل ويتكون ويتهيكل في مطلق بلد قبل الإعلان عن وجود الإخوان فيه. وهو تماما مثل ميليشيات الحشد الشعبي أو الحشد الولائي في العراق، أو الميليشيات المتأيرنة الأخرى في غير بلد عربي.

جهاز النهضة السري الذي يرأسه صهر الغنوشي، حاك وشاك الكثير من العلاقات العنقودية مع نظرائه من الأجهزة السرية للإخوان في السودان والجزائر والمغرب وفي أوروبا وعبر المتوسط.

أمّا ليبيا الجارة الأقرب لتونس فتردّد أن التنظيم الدولي للإخوان اختارها خلال اجتماع له في إسطنبول حضره الغنوشي قبل أن يصبح رئيسا لبرلمان تونس، وبتوصية من الغنوشي إياه، اختارها أن تكون الدولة البديلة الحاضنة لمخططات الإخوان التمددية باتجاه مصر.

وبعد أن ترأس برلمان تونس وتمتع بحصانة سياسية ودبلوماسية رسمية، بات للغنوشي سلوك سجالي مثير لاستغراب التوانسة قبل غيرهم واستفزازهم في آن.

فتهنئة الغنوشي لرئيس حكومة الوفاق غير الوفاقية فايز السراج بسيطرة ميليشياته والقوات التركية على "قاعدة الوطية" غرب ليبيا، وقبلها زيارته أردوغان الإخوان في إسطنبول التي تمّت لمصلحة إخوانية بحتة ودون مراعاة مصالح تونس العليا. إنها المصالح التي لم تهز شعرة في رأس الغنوشي رغم تنكيل النائبة عبير موسي وعدد كبير من النخب التونسية به. ما فجّر معركة سياسية متواصلة داخل البرلمان والشارع التونسي وصلت حد المحاولة على إقالة الغنوشي، كما وصلت حد الطلب من حركة النهضة التبرؤ من الإخوان. وهما المطلبان اللذان سعّرا الحراك السياسي في تونس، وأسهما في وضع الغنوشي والنهضة معا تحت الضغط السياسي والشعبي والإعلامي.

وهما المطلبان اللذان رذلتهما حركة النهضة واستبدلتهما بمطالبة قيس سعيد الانحياز إلى حكومة الوفاق الليبية ودعمها، بدل كلامه في الإليزيه عن شرعية مؤقتة ينبغي تجديدها. وما مطالبة النهضة هذه إلا لكونها تخدم المصلحة الإخوانية العليا التي يحدد بوصلتها ويرسم مساراتها حاليا أردوغان الإخوان وسلطانهم. فيما تشكل حكومة قطر المموّل المؤقت لمخططاتهم، ريثما تحسم الأمور لمصلحتهم في ليبيا.

فوفقا لاستقراءات الغنوشي وتوصياته، ينبغي أن تكون ليبيا هي "الدولة البديلة الحاضنة"، نظرا لمواردها وثرواتها البترولية وجغرافيتها الاستراتيجية عامة، ولقربها من أرض الكنانة خاصة.

لأن الاستحواذ على كرسي القاهرة، كما يؤمن "الغنوشيون" ويعتقد جهاز الإخوان السري، هو الخطوة ما قبل الأخيرة في الطريق إلى مكة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات