عاجل

البث المباشر

علي العميم

<p>باحث سعودي</p>

باحث سعودي

شيخ الأزهر ونزاع دستوري على حق تعيينه

حددت الفترة القلقة التي عاشتها مشيخة الأزهر (على صعيد تعيين شيخ له) ما بين وفاة شيخ جامع الأزهر، مصطفى المراغي، في الثاني والعشرين من شهر أغسطس (آب) سنة 1945، وتعيين ضباط الثورة الدكتور عبد الرحمن تاج شيخاً لجامع الأزهر في 7 يناير (كانون الثاني) سنة 1954. هذه الفترة تدخل زمنياً في نطاق النشأة الأولى للنظام الإقليمي العربي الذي ادعى الزميل أحمد عدنان عليه أنه «حرص على تدجين الإسلام الرسمي واستخدامه». والإسلام الرسمي في مصر، كنا أوضحنا في مقابل سابق، أنه يعني به إسلام جامع الأزهر.
وإذا ما رجعنا القهقري قليلاً، أي قبل نشأة النظام الإقليمي العربي في العام المومأ إليه، فإن الأزهر شهد ثورة على شيخه مصطفى المراغي في عام 1943 شبيهة بثورته على شيخه الأسبق، محمد الأحمدي الظواهري التي بدأت في عام 1934، واضطرته إلى أن يستقيل في عام 1935.
يقول طارق البشري في كتابه «المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية»: «فلما تولى الوفد الوزارة في 4 فبراير (شباط) بمساعدة الإنجليز وضد رغبة الملك، خاصم المراغي الوزارة مع كل أنصار الملك، وبادله الوفد خصومة بخصومة.
وكان المراغي بأمر من الملك يلقي دروساً في التفسير بالجوامع يملأها بالهجوم المستتر الواضح على الوفد، ويختار من آيات القرآن الكريم ما يتعلق بعدل الحكّام أو ظلمهم، ويولد التفسير توليداً يشير بالاتهام إلى حكومة الوفد. تجددت الاضطرابات بالأزهر بإيعاز من الوفد في يناير 1943 ضد الشيخ المراغي. ونجح الوفد في استعراض قوته داخل الأزهر في صفوف الطلبة والعلماء ضد المراغي. ونجح بهذا أن يزيل الأثر السياسي الذي ولدته حركة 1935 عن تأييد الأزهريين للمراغي. وخاصم المراغي بالأزهر جملة من كبار رجال الجامع، يظهر أنه كان منهم الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، والشيخ سليمان نوار شيخ معهد القاهرة، والشيخ محمود شلتوت. وتقدم جمع العلماء بعريضة إلى الملك يطلبون فيها تعيين شيخ جديد للأزهر غير الشيخ المراغي. وأحيط الشيخ من داخل الأزهر بمعارضة الطلبة وكثير من العلماء له، ومن خارج الأزهر بمخاصمة الوفد حزباً ووزارة له. فقدم استقالته إلى الملك، واعتكف في منزله. ولكن الملك رفض قبول استقالته، وظل الشيخ معتكفاً عشرة شهور. وأثير الخلاف وقتها في مدى تبعية الأزهر للوزارة أو للملك، وبقي الخلاف معلّقاً وبقي الشيخ معتكفاً حتى أُقيلت وزارة الوفد في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 1944، فعاد إلى عمله من جديد حتى كانت وفاته في 1945».
يفسر شيخ الأزهر السابق، محمد الأحمدي الظواهري، في مذكراته «السياسة والأزهر»، التي أملاها على نجله فخر الدين، الثورة على الشيخ مصطفى المراغي، بغضب زعيم الوفد، مصطفى النحاس، عليه، لتدخله في الشؤون السياسية لمصلحة حزب الأحرار الدستوريين، وتحريضه طلبة الأزهر على التصويت لأعضاء هذا الحزب في الانتخابات البرلمانية التي حصلت سنة 1938، والتي كسبها هذا الحزب وخسرها حزب الوفد.
ولقد فعل أكثر من هذا ضد حزب الوفد، فقد شن عليه حرباً دينية، وكان من وجوهها الحرب الدينية ذات الميسم الطائفي. وتفصيل ذلك تحدث طارق البشري عنه في كتابه المشار إليه آنفاً.
أصل المشكل في تاريخ الأزهر وفي تاريخ الحياة السياسية المصرية هو نزاع دستوري بين الملك، والحكومة والبرلمان حول حق تعيين شيخ جامع الأزهر والرؤساء الدينيين، مسلمين وغير مسلمين. هذا النزاع منشؤه الأساسي دستور 1923. فقبل أن تضع لجنة الثلاثين هذا الدستور كان حق تعيين شيوخ الأزهر للسلاطين. يقول الشيخ محمد الأحمدي الظواهري عن هذا الأمر: «وعند صدور الدستور المصري... كان موضوع تبعية الأزهر للملك وحقوقه التقليدية القديمة؛ اختيار شيخ الأزهر وكبار علمائه، وكذلك اختيار رؤساء الأديان الأخرى، موضعَ نقاش ومباحثة بين أعضاء اللجنة التي وضعت هذا الدستور. فقد طرأ لبعض أعضائها أن حقوق الملك هذه في تعيين الرؤساء الدينيين تنتقل من نفسها وبطبيعة الحكم النيابي... إلى الحكومة من جهة التنفيذ، وإلى البرلمان من جهة التشريع وجهة الإشراف، شأنها في ذلك شأن باقي شؤون الأمة الأخرى. ثم طلبوا أن يتنازل الملك عن هذا الحقوق إلى هاتين الجهتين».
هذا المطالَبة التي يشير الشيخ الظواهري إليها تمخضت عن صدور قانون رقم 15 لسنة 1927.
الشيخ الظواهري بعد أن أورد نص قانون «رقم 15 لسنة 1927 بتنظيم سلطة الملك فيما يختص بالمعاهد الدينية وبتعيين الرؤساء الدينيين والمسائل الخاصة بالأديان المسموح بها البلاد»، الصادر باسم الملك فؤاد بأمر ملكي، وبعد أن شرح الفرق بين اصطلاح المرسوم الملكي واصطلاح الأمر الملكي (القانون صدر بأمر ملكي وليس بمرسوم ملكي)، خلص إلى أن القانون المشار إليه «لم ينقل حقوق الملك بأجمعها في تعيين الرؤساء الدينيين إلى الحكومة، بل هو شارك رئيس الوزراء مع الملك في إجراءات التعيين، أو هو جعل حق الاختيار لرئيس الوزراء وحق الموافقة للملك، وظاهر أن كلا الحقّين متمم للآخر في تنفيذ التعيين».
استناداً إلى هذا القانون كسبت الوزارة الائتلافية ما بين حزب الأحرار الدستوريين وحزب الوفد الجولة الأولى في النزاع الدستوري على حق تعيين شيخ جامع الأزهر، بتعيين مرشحها مصطفى المراغي عام 1928، وكان مرشح الملك فؤاد محمد الأحمدي الظواهري.
هذا الجولة مدتها قصيرة، فلقد اضطر شيخ الأزهر المراغي أن يقدم استقالته في عام 1929. وعين خلفاً له مرشح الملك، الظواهري. وكانت مدة الجولة الثانية التي كسبها الملك أطول من الجولة الأولى.
ومع مشيخة المراغي الثانية للأزهر عام 1935، تعززت تبعية الأزهر للملك وكان المنتظر غير ذلك. فلقد فشلت وزارة الوفد في إجباره على الاستقالة، وذهبت هذه الوزارة، وبقي هو شيخ الأزهر إلى أن تُوفّي.
وهذه هي الجولة الثالثة التي كسبها الملك. والملك حينها كان الملك فاروق. وبعد كسب الملك لهذه الجولة اختفى النزاع الدستوري على حق تعيين شيخ الأزهر، أو لنقل إنه تلاشى، فأصبح حق تعيينه للمك وحده. وهذا الحق انتقل من الملك إلى رئيس الجمهورية في العهد الجمهوري.
هناك شق أساسي في قانون رقم 15 لسنة 1927، وهي المادة الثانية التي تقول: «تصدر بقانون ميزانية الأزهر والمعاهد الدينية الأخرى والحساب الختامي، وتتبع فيها الأحكام المقررة في الدستور لميزانية الدولة وحسابها الختامي»، فليس واضحاً لي من خلال بعض الكتب عن تاريخ الأزهر التي رجعت إليها، إن كان جرى العمل بها، فعرضت الميزانية على البرلمان في فترة مشيخة المراغي الأولى وفي فترة مشيخة الظواهري وفي فترة مشيخة المراغي الثانية وفي فترة شيوخ الأزهر الذين تلوه في العهد الملكي، أم أنها بقيت مادة معطلة؟! فالكتب التي رجعت إليها تركز الحديث على المادة الأولى، التي تقرر أن استعمال السلطة التي للملك فيما يختص بالجامع الأزهر والمعاهد الدينية الأخرى بواسطة رئيس مجلس الوزراء... وتهمل الحديث عن المادة الثانية.
الثغرة التي نشأ عنها الصراع هو النزاع الدستوري في تتمة هذه المادة التي تقول: «وعلى ذلك يكون شيخ الأزهر بأمر ملكي بناء على ما يعرضه رئيس مجلس الوزراء...».
ولقد جادل محمد الأحمدي الظواهري بقوة في تبعية الأزهر للملك استناداً إلى هذا القانون الذي صدر بأمر ملكي، وذلك حينما شرح الفرق بين اصطلاح «أمر ملكي» واصطلاح «مرسوم ملكي»؛ إذ قال: «المرسوم الملكي، حسب الدستور، هو الصك الملكي الكريم للأعمال الحكومية التي يتقدم بها مجلس الوزراء لجلالة الملك ليمهرها بإمضائه. وفي هذه الحالة يكون مجلس الوزراء هو وحده المسؤول عنها... فإنه وإن كان الملك، بحكم الدستور، لا يناقش مجلس الوزراء في القرارات التي يتخذها المجلس، والتي يطلب من الملك استصدار المراسيم الملكية بها، إلا أن للملك الحق في إقالة الوزارة إذا هو لا حظ أن في قراراتها أو تصرفاتها ما لا يتوافق مع المصلحة العامة التي ينشدها الملك لأمته، وفي هذه الحالة يستفتي الشعب بانتخاب جديد في شأن هذه الوزارة. هذا عن المراسيم الملكية...
أما عن الأوامر الملكية، وهي التي نص قانون رقم 15 لسنة 1927، أن تعيين الرؤساء الدينيين يكون بمقتضاها، فإنها تختلف عن المراسيم الملكية اختلافاً جوهرياً.
ففي التعيينات التي تصدر بأوامر ملكية، يكون الملك وحده هو المتصرف فيها، وليس لأحد أن يعترض عليها أو يعرض فيها. فهي حقوق شخصية للملك يتولاها وينفذها كما يريد».
كان عرضي للفترة القلقة في تاريخ مشيخة الأزهر وما قبلها بهدف إثبات أن قول أحمد عدنان: «منذ ثورة يوليو (تموز) 1952، وربما قبلها، حرص النظام العربي على تدجين الإسلام الرسمي واستخدامه»، ليس له أساس إلى ما قبل صدور قانون تطوير الأزهر، قانون رقم 103 لسنة 1961، مع التحفّظ الشديد على التعبير الذي استعمله في قوله. فالأزهر فيما يتعلق بتعيين شيخه وكبار العلماء فيه قبل نشأة الملكية الدستورية حق شخصي للخديويين والسلاطين، وبعد نشأتها ومع صدور قانون 15 لسنة 1927، نشب نزاع دستوري حول المادة الأولى من هذا القانون. وأول شيخ للأزهر تولي مشيخته بمقتضى هذا القانون هو الذي رجّح كفة الملك في هذا النزاع في مشيخته الثانية للأزهر. وأعني به الشيخ المراغي.
إن الذي يعرف تاريخ الأزهر عن كثب، ستبدو له جملة «تدجين الإسلام الرسمي واستخدامه»، التي يعني بها إسلام جامع الأزهر، جملة نافرة. فشيخ جامع الأزهر والذي يفترض أن يكون أداة هيمنة الدولة على الأزهر، ليس له سلطة روحية مطلقة على علماء الأزهر، ولا على أساتذته ولا على طلابه، فهو ليس بابا مسيحيّاً، ولا مرجعاً أعلى كما عند الشيعة. فإن أيّده هؤلاء في فترة فقد ينقلبون عليه في فترة أخرى.
وهذا الأمر قديم في تاريخ الأزهر، منذ إن كانت السلطة في مصر سلطة أوتوقراطية.
وما أشير إليه هو الذي جعل الشيخ الظواهري والشيخ المراغي في مشيخته الثانية، وهما المنتميان إلى مدرسة التجديد الديني يضطران إلى التنازل كثيراً عن تطبيق خطة تطوير الأزهر، في تلك الفترة الليبرالية من تاريخ مصر. وذلك لأن سلطة المعترضين على خطة التطوير من علماء الأزهر كانت أقوى من سلطتهما. ولم يكن بوسع الملك ولا بوسع الحكومة الوزارية، هذا إن كانا مؤيدين لخطة تطوير الأزهر، أن تدعمهما في فرضها على المعترضين، لأنهما مثلهما لا يريدان التصادم مع المعترضين عليها، بل هما حريصان على كسب تأييدهم. لأنهم كما أشرت القوة الأقوى في جامع الأزهر.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات