عاجل

البث المباشر

رجاء الجدّاوى.. الجميلةُ التى غادرت

فى كلّ مكالمة تليفونية أُجريها معها طوالَ فترة العزل الصحيّ بالإسماعيلية، كانت تبادرُنى بالسؤال عن صحتى وصحة زوجى وأولادى، وتوصينا بالحذر من الفيروس، وتُكلّفنى بأن أُحذِّرَ الناسَ بحسم وقسوة فى مقالاتى ولقاءاتى التليفزيونية. كلُّ هذا قبل حتى أن تسمحَ لى بسؤالها عن صحتها وتطوّر المرض، وأمنيات الشفاء. كانت تحمدُ اللهَ كثيرًا على أى تحسّن طفيف يطرأ؛ وتدعو للناس جميعًا بالشفاء والعافية. ولا أنسى مكالمتى الأخيرة معها. كانت فى ضيافتى صديقتى الجميلة زوجة الراحل العظيم «صالح سليم»، مايسترو النادى الأهلى. وطلبت منى أن تسمع صوتَ رجاء لتطمئن عليها، فهاتفتُها. تكلّمتِ الصديقتان واسترجعتا ذكرياتهما معًا، ولم تنته المكالمةُ إلا بالدعاء لله ألا يقاسى أحدٌ مما تقاسيه. ما أجملها!، كان صوتُها بالكاد يخرجُ بصعوبة شديدة ووهن عظيم، ولكنها كانت قوية الروح والإيمان والرجاء فى رحمة الله. كان ذلك قبل دخولها فى رحلة الغياب مباشرة. بعدها انقطعت الاتصالات، وغاب عن عالمى ذاك الصوتُ الدافقُ الدافئ الذى يحمل من الحبّ، قدرَ ما تحملُ مجرّةٌ من نجوم.

هى الصَّبيّةُ المليحةُ ذاتُ الخِصرِ الناحلِ والقوام الممشوق والعينين السوداوين والشَّعر القصير آلا-جرسون، كما عرفناها فى أفلام الزمن الجميل. ابنةُ مدارس فرنسيسكان العريقة. الحسناءُ التى تعرفُ كيف تجعلُ الفساتينَ تخفِقُ حول جسدها، خفقانَ جناحين ملوّنين حول فراشة. تصحو المليحةُ «رجاء» فى أحد نهارات عام ١٩٥٨، ليدقَّ قلبُها الصغيرُ فرحًا؛ حين يخبرُها الرفاقُ بأنها اختيرت «ملكة جمال القطر المصرى». بعدها، تهافتت عليها بيوتاتُ الأزياء الراقية؛ لتغدو أجملَ فاشون- موديل فى الوطن العربى بأسره. تعرفُ الموديلُ الجميلةُ كيف تخطُرُ فى خَفَر عذراءَ خجولٍ فى ثوبِ زفافٍ أبيضَ، يُوشوشُ اللؤلؤُ على صدره بأسرار خطيرة، وكيف تخطو نهارًا بخُطى رياضية جسورة فى ملابس سبور فضفاضة، وإذا ما حلّ المساء، تمشى الهوينا مثل ليدى رصينة بكعبين رفيعين وحذاء ديكولتيه وفستان سواريه. لا أحدَ ينسى فستانَها البروتال الأسود، وهى تراقصُ «عمر الشريف» رقصة «تشاتشاتشا». كان العظيمُ يؤدى دورَ الفتى الخجول غير العصرى الذى لا يجيدُ الرقص. فدهس حذاءها، مرّةً ومرّة، ثم حملها ليدور بها على البيست؛ محاكيًا الراقصين المحترفين من حوله. فإذا به يُسقطها على الأرض، فتُوسِعُه تقريعًا: (يا أخى مادام مبتعرفش ترقص، بترقص ليه؟!) أحد أطرف مشاهد السينما المصرية الخالدة.

حزن كلُّ بيت مصرى على رحيل الجميلة، التى أثرَتْ شاشتَنا العربيةَ بغزير الأفلام وعروض الأزياء والبرامج والحوارات والنضال المجتمعى الجادّ. أتذكّرُ الآن شائعةَ رحيلها التى انطلقت قبل عامين على صفحات فيسبوك والمواقع الصفراء. هاتفتُها لأطمئن عليها، فجاءنى صوتُها حزينًا مندهشًا، وسألتنى: (فعلا عاوزة أفهم! يعنى إيه واحد يضيع من عمره خمس دقائق، يخترع فيها كذبة، ثم ينشرها فى نصف ساعة أخرى؟! ماذا استفاد وقد خسر من عمره ما لن يعود؛ والعمرُ أغلى ما نملك؟!، تصوّرى لما آخد عزايا بنفسى! ليه كده؟!).. وأجيبُها: (يا أنيقةَ مصرَ، هم لا يخسرون شيئًا. فالعمرُ غالٍ عند مَن لديه ما يشغله. أما الشاغرون فالوقتُ لديهم ليس رخيصًا فحسب، بل هو حِملٌ ثقيلٌ يودّون الخلاصَ منه. إضاعةُ الوقت وهدرُ العُمر لدى الخاملين هدفٌ خطير. هم مثل «الهالوك» الذى يعتاشُ على أغصان النباتات. يتسلّقون على الأسماء الكبيرة ظنًّا منهم أنهم بهذا يكبرون. ولو علموا فلا شىء يجعلُ الإنسانَ كبيرًا إلا ثمارُ عقله ويديه. الشائعةُ ظاهرةٌ فى مجتمع الكسالى. لا يُطلقها إلا بُلداءُ خاملون، ولا يُشيعُها إلا حمقى شاغرون، لا يستوثقون مما يشيعون. الشائعةُ قد تهدمُ أسرةً، وقد تقتلُ إنسانًا، وقد تُشعلُ حربًا. وحاملُ وزر كلّ ما سبق شخصٌ تافهٌ ليس إلا صفرًا فى قائمة الأحياء. لا أحدَ شعُرَ بمجيئه للعالم، ولا أحد يشعرُ برحيله. لكنه قبل أن يمضى يكون قدّ لوّث العالمَ ببصمةٍ سوداء تشيرُ إلى أن صفرًا قد مرّ بهذا العالم ورحل تاركًا نُدبةً فى شجرة الحياة). وراق لها ما قلتُ، فطلبت منى أن أكتبه فى مقال حتى يتعلّم مروجو الشائعات أنهم قتلةٌ وسفاحون. واستجبتُ لطلبها ونشرتُ مقالى: (رجاء الجميلة.. سلامتك ) فى جريدتى: «المصرى اليوم» بتاريخ ٣٠ أغسطس ٢٠١٨.

رجاءُ الجميلةُ التى أحبّت الجميعَ ولم يكن فى قلبها مكانٌ إلا للحبِّ والحنوّ..

مع السلامة يا أجمل أمّ وأرقى فنانة، وأحنّ قلب عرفته. اللهم أسكنها فردوسَك الأعلى بقدر ما أعطت وآثرت وأحبَّت. مع السلامة يا أستاذة. مع السلامة يا أمى. «الدينُ لله، والوطنُ لمن أحبَّ الوطن».

نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات