عاجل

البث المباشر

الخاصة والعامة والخلط بينهما

أحب أن يعلم بعض من لا يعلم من أولئك "الخاصة" أن المجتمعات الإسلامية بطبيعتها منذ أشرقت أنوار الرسالة تسير وفق هذا التقسيم الإلهي، لأنه يعتمد أصلاً على مقدرة الناس في الفهم ومراتب عقولهم..

ستجد هذا المصطلح كثيرًا جدًا في كتب الرقاق والفقه والعقيدة في المكتبة الإسلامية، وهو مصطلح يقصد به التفريق والتمييز بين المنتسبين لهذا الدين السمح، دين الإسلام, وقد تجد عند كثير من الطوائف المنتسبة للإسلام تعريفات متقاربة ومتباينة للمصطلحين, ولكن يجمع الجميع هو ما عرفه التنزيل (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) فالمراد بالمعنى العصري "المتخصص وغير المتخصص" ولا يختص ذلك بالفقه في الإسلام بل يشمل كل علوم الدنيا، فهناك في كل علم "خاصة وعامة" وبالأوضح "متعمق في العلم ومتثقف فيه أو جاهل به" أو " متخصص وغير متخصص" ولكنه في الفقه الإسلامي يسمى "العالم والمقلد" وهو مصطلح منثور في كتب الإسلام وعليه بنيت المذاهب الإسلامية.

وفي هذه الأسطر القليلة سأتعرض لمسألة قد أكون تعرضت لها عدة مرات ولكن من زوايا مختلفة، وفي هذه الزاوية أحب أن يعلم بعض من لا يعلم من أولئك "الخاصة" أن المجتمعات الإسلامية بطبيعتها منذ أشرقت أنوار الرسالة تسير وفق هذا التقسيم الإلهي، لأنه يعتمد أصلاً على مقدرة الناس في الفهم ومراتب عقولهم، وفي زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان هو حامل النور ومعلم الناس، وكان يصطفي من أصحابه من يراه مؤهلاً فقها وفهمًا وحالاً لنشر الدعوة وبعثه معلمًا في الأقطار، وكانت تلك الصفوة ولا شك متميزة عن الناس بزهدها وعبادتها وأخلاقها ومعاملاتها، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم القدوة في ذلك للأمة كلها، فكان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، ويصوم ما كتب الله له، ويزهد في الدنيا حتى نام على التراب وعلى الحصير، وكانت بيوته ربما خلت من الطعام الشهر تلو الشهر، بينما في المجتمع الإسلامي آنذاك كان يوجد الأغنياء، وكان يوجد من ينشغل بمزرعته، ومن يبيت مع غنمه في الجبال، ومن لا يحسن حتى أن يقرأ شيئاً غير الفاتحة، وكان الوعظ مستمرًا في بناء المجتمع على أساس تنمية القدرات وتوجيه الناس كلًّا لما خلق له.

لكن هناك "نغمة" إن صح التعبير لم تكن موجودة في تلك الأزمنة، ووجدت في زماننا، هذه النغمة هي "لوم الخاصة للعامة" على عفويتهم في الحياة، وأعني محاولة كثير من الوعاظ والمشايخ إصباغ المجتمع بشعور الإحساس بالتقصير والبعد عن الله، وأن الحال الأكمل الذي يجب أن نلوم أنفسنا على عدم التلبس به، هو حال "الخاصة" حال الدعاة والوعاظ والمشايخ والعلماء. وهذا الشعور ولّد كثيراً من السلبيات التي لم يكن الناس يحبون إظهارها، لكن مجرّد ما تبدأ بالظهور إذا بهم يتبنونها زرافات ووحداناً، تلك السلبيات هي محاولة الدفاع عن النفس، وإلباس الخصم الثوب الذي حاول إلباسنا إياه، فحين رأى كثير من الناس أن بعض الدعاة ألبس المجتمع لباس التقصير والنقص والبعد عن الله، حاول إلباسه نفس الثوب بطريقة أخرى، وحتى أصبح مجرد "تقصير الثوب وإعفاء اللحية" بحاجة إلى الصبر والدفاع عنها، بينما هي عادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن المعاملة بنقيض الفعل أحيانًا تكون ردة المجتمع تجاه هذه الظاهرة، ونعود إلى مجتمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولما أراده الله من التزهيد في الدنيا والحث على المسارعة في الخيرات، لنتساءل: هل أراد الله منا أن نحدث خللًا في التركيبة الاجتماعية، ونجعل الناس كلهم زهّادًا وعبادًا؟ فالجواب بالطبع سيكون لا! إذن؛ فلمَ محاولة تقسيم المجتمع إلى "عامة وخاصة" بطريقة "نحن الأفضل فكونوا مثلنا"؟ بينما المعنى الصحيح لها "كل ميسر لما خلق له". هذا، والله من وراء القصد.

*نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات