عاجل

البث المباشر

التضاريس مهمة

سمّى الألمان سابقاً الإعلام بـ«ماكينة البروبغندا»، أي بوق الكذب والتلفيق. لقد كان بإمكاننا سابقاً غسل الجريدة الورقية ونشرها لتنظف من الأكاذيب، لكن اليوم ماذا نفعل بالجريدة الإلكترونية. وكيف ننظفها من كم الأكاذيب والتزوير والتزييف فيها.
إن دور التغفيل والتجهيل الذي تقوم به وسائل التواصل تجاه الشعوب بات خطيراً. لأنها تعمل كماكينة تفتت قيم المجتمع وتشتت هوية الفرد. فلا يعلم مَن هو وما هدفه في الحياة. فالقيم هي الموجهات التي توجه سلوك الفرد والمؤشرات الحقة على أخلاق الأمة. إن مؤشر السفه والسخف والعته الذي وصلنا إليه اليوم يعتبر قياسياً بصورة مقلقة.
مثلاً... حين تعطي إحدى القنوات المحلية برنامجاً لإنسانة هي نموذج لعمليات التجميل والجوهر الفارغ. وصدرت لها تسجيلات وصور مشينة فاضحة وارتبط اسمها بالسطحية والسخرية، ولا تمت بصلة للفكر والثقافة والعلم والاخلاق. وبالتالي تجعلها تناقش أفراداً في مناصب عليا وذوي فكر وإرادة... وهي تهز رأسها عاجزة عن الرد والتفاعل.
هذا يعني صناعة القطيع:
1- تسويق السخافة، 2 - منح أي شخصية لديها متابعون وأجرت عمليات جعلتها مطلوبة ونافعة «لتسويق» القناة وجذب الجماهير ومنحها مصداقية. 3 - تلاعب بقيم المجتمع وكل ما نشأنا عليه من مبادئ. وكل ما له علاقة بالمنطق والصواب. 4 - إننا في عصر تخدير المشاهد وغسل دماغه بالألوان و«التضاريس» الشكلية، فلا يسمع أو يفقه أو يدرك. بل «ينهق» ضمن قطيع مسير. 5 - لقد أصبح الإعلام؛ رسمياً مكينة تجهيل الشعوب بجدارة.
لذا أصبح لزاماً أخلاقياً وواجباً مفروضاً اجتماعياً وحضارياً وإنسانياً على الحكومات، اتخاذ موقف للحد من سموم مواقع التواصل وأبواق الإعلام المغرضة المزيفة. وبناء دعامة للمحافظة على قيم وهوية الفرد وإعادة تشكيل وترميم نسيج شخصيته الأخلاقية.
في سبيل خلق مناعة أخلاقية وثقافية معرفية عالية. تعيد تعلق الفرد بالمبادئ والفضائل والسعي إليها. وتدفعه لبناء ذاته وتحمل المسؤولية والسعي إلى المتاحف والمعارض والمسارح والنهل من الفنون والآداب والعلوم.

لذلك نقول:
كونك تصور فيديو وخلفك مكتبة. لا يعني أنك قارئ.
وكونك تقتبس أقوال العلماء والمفكرين، لا يعني أنك مثلهم وتؤمن بكلامهم.
ولأنك ترتدي أغلى الثياب، لا يعني أن داخلك ثرياً أيضاً.
كونك تقود سيارة آخر موديل وتسكن القصور. لا يضمن إنسانيتك وأخلاقك.
كونك ترتدي حذاء ثمنه بمعاش أسرة. لا ينفي وجوده في مخك.

*نقلا عن صحيفة "الرأي"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات