عاجل

البث المباشر

الحبيب الأسود

<p>كاتب رأي</p>

كاتب رأي

تونس تواجه مخاطر التفجير من الداخل

تونس الخضراء الجميلة التي يفترض أنها عنوان للحداثة والرقي، تواجه اليوم أصعب الامتحانات في تاريخها الحديث على الأقل، وهو امتحان التطبيع مع الإرهاب الذي يبدو أنه جزء من مخطط يراد لها أن تكون منطلقا له، فدول الغرب، التي طالما كانت تحنو وتحدب على النموذج التونسي، يبدو أنها تريد للبلد الذي كان معروفا بهدوئه وسكينته وأمنه واستقراره، أن يتحول إلى مخبر لما تسعى تلك الدول أن تفرضه على المنطقة، وخاصة في ما يتعلق بتوطين التطرف عبر آليات عدة أهمها اختراق مؤسسات الدولة.

في العام 2012 كانت ليبيا الدولة المجاورة لتونس، أول البلدان التي يصل فيها تنظيم القاعدة إلى الحكم، الأمر لم يكن صدفة، فقبل أشهر كان طيران الناتو يشكل غطاء جويا لميليشيات إرهابية تغزو المدن والقرى، باسم ثورة تبين لاحقا أنها جزء من مشروع تم إعداده سلفا لبث الفوضى الخلاقة في الدول العربية، وأن الهدف الأصلي من ذلك هو تجميع الإرهابيين في أوطانهم، فبعد إرهاب تسعينات القرن الماضي المستنبت من بقايا الحرب الباردة، ومن تجييش مخابرات الغرب للإسلام السياسي ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وضد يوغسلافيا، وقبلها ضد التنوير والتحديث واستقلال القرار الوطني.

تونس مستهدفة لتكون نموذجا للفوضى الخلاقة وساحة لتصفية الحسابات ليس فقط بين واشنطن وموسكو ولكن بين لندن وباريس، فالزاحف البريطاني يعمل على بسط نفوذه في المنطقة خاصة دول المغرب العربي

وبعد هجوم 11 سبتمبر 2011، وبعد أن خرج الإرهاب من قمقم الاستعمال الأميركي والبريطاني، بات من الضروري إعادة توطينه في بلدانه الأصلية، لذلك لم يكن من الصدفة أن يتحالف الإخوان المسلمون مع تنظيم القاعدة، تحت لواء واحد ضمن ما سمي بثورات الربيع العربي، سواء في ليبيا أو مصر أو سوريا أو غيرها، بل ولم يكن من المستغرب أن يندفع نظام كالنظام القطري، المرتبط مباشرة باللوبي الصهيوني، ليكون عراب تلك الثورات، ومعه النظام التركي الخادم الأمين لخطط الناتو والمصالح الأميركية والإسرائيلية.

كانت تونس ساحة التمارين الأولى للربيع العربي المدعوم، وشهدت منذ العام 2011 تحولا ديمقراطيا عسيرا، لم يحقق إلى اليوم شيئا من أهدافه، وخاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وما نراه بعد حوالي عشرة أعوام من الإطاحة بالنظام السابق هو هذا التردي على جميع المستويات، وهذا الاستهداف المباشر للدولة، وهذا الفساد الذي يضرب كل القطاعات، وهذا التطرف الذي استطاع أن يكتسب أجنحة داخل مؤسسات الدولة بما فيها البرلمان.

إضافة إلى خطاب الكراهية الذي أضحى يقسّم التونسيين جهويا، وفئويا، وثقافيا، واجتماعيا، وعقائديا وحتى تاريخيا، ويجد من يتبناه من أحزاب سياسية وكتل برلمانية وقوى عقائدية يرتبط أغلبها بالإسلام السياسي، مشكلة تونس أنها مستهدفة لتكون نموذجا للفوضى الخلاقة، وساحة لتصفية الحسابات، ليس بين واشنطن وموسكو، ولكن بين لندن وباريس؛ فالزاحف البريطاني يعمل بكل قوة على بسط نفوذه في منطقة شمال أفريقيا، وخاصة دول المغرب العربي المستعمرات القديمة لفرنسا، بالاعتماد على القوى الإسلامية التي طالما كان حاضنها وممولها والمخطط لتحركاتها.

يمكن أن نتأكد من ذلك من الحملات الممنهجة ضد باريس سواء في تونس أو ليبيا أو غيرهما، مقارنة بذلك الصمت المريب إزاء الدور البريطاني، قد يكون من اللافت هنا أن فرنسا متهمة بسرقة النفط والغاز من تونس في حين أن أكثر الشركات العاملة في هذا القطاع هي بريطانية بالأساس.

القضية تصبح أكثر خطورة عندما ننظر إلى العداء الذي يكنه الإسلاميون واليساريون الراديكاليون وبعض القوى الانتهازية من الليبراليين، المحسوبين على الغرب والمدعومين بالخصوص من واشنطن ولندن وبرلين، ضد دولة الاستقلال ورموزها وقياداتها ومنجزاتها، وانخراطهم الدائم في تكفيرها وتخوينها والتشكيك في وطنيتها، وسعيهم لضرب مؤسساتها التي صمدت في وجه عاصفة 2011، ومن بينها الأمن والجيش الوطنيتان، مقابل العمل على التطبيع مع الإرهاب واعتبار الإرهابيين مناضلين من أجل الحرية والديمقراطية.

قبل أيام، قال الرئيس قيس سعيد إن هناك محاولات لتفجير الدولة من الداخل، الإشارة كانت قوية ومباغتة، وأكدت أن ما حاول الإخوان والأتراك والقطريون ترويجه من أن هناك مؤامرات خارجية ضد البلاد، لم يكن سوى أكاذيب الهدف منها استهداف علاقات البلاد مع محور الاعتدال العربي، وأن المعطيات المتوفرة لدى مؤسسة الرئاسة من المؤسسات المتخصصة في الداخل، ومن الأصدقاء على مستوى الإقليم والعالم، تثبت أن لا خوف على تونس من المؤامرات الداخلية، سبق للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة أن قال ذات يوم: بعد رحيلي لا أخاف على تونس إلا من أبنائها.

كان لافتا أن سعيد تحدث عن محاولات تفتيت الدولة، وإفراغ بعض المناطق من المؤسسات السيادية، هذا الأمر بات واضحا للعيان، وعلينا أن ننتظر مليا إلى الخارطة الحالية التي يحاول النظـام التركي العبث بتفاصيلها، وخصوصا بعد سيطرته على غرب ليبيا، واعتبار إسلاميي تونس ذلك كسبا لهم، ودعما لمشروعهم، إن أي خلل أمني في منطقة الحدود مع ليبيا سينتج دمارا للبلاد، لا يستفيد منه إلا أولئك الذين يعتقدون أن نجاحهم الحقيقي لن يكون إلا بتخريب الدولة الوطنية وبناء دولتهم على أنقاضها.

ما نراه بعد حوالي عشرة أعوام من الإطاحة بالنظام السابق هو هذا التردي على جميع المستويات، وهذا الاستهداف المباشر للدولة، وهذا الفساد الذي يضرب كل القطاعات

وما حدث في البرلمان الجمعة الماضية أكد أن ما ورد على لسان قيس سعيد في اليوم السابق، لم يأت من فراغ، فمجرد حدوث أزمة داخل مجلس نواب الشعب بسبب إصرار تيار متشدد بدعم إخواني على استضافة عنصر مسجل في وثائق الداخلية كإرهابي ممنوع من السفر وخاضع للمراقبة المستمرة، يثبت أن هناك حالة من العمل الدؤوب على التطبيع مع الإرهاب وتحويله إلى آلية لتصفية الحسابات مع القوى المدنية، وأن البلاد تمر بوضع خطير على الجميع التنبه إليه والحذر من نتائجه خصوصا في ظل هذا الواقع الذي يحاول الإسلام السياسي استغلاله لافتكاك الدولة وتجيرها لخدمة المشروع العثماني الجديد.

إن ما يعرفه الرئيس قيس سعيد، من خلال التقارير اليومية التي ترد على مكتبه، أن تونس كدولة مستهدفة في كيانها، ومن داخلها، فالتطرف الإخواني يلعب على أوتار جهوية وعشائرية واجتماعية واقتصادية، ودخل حاليا أخطر مراحل التآمر على الكيان الوطني بالمساس من الأجهزة السيادية، وعلى رأسها الجيش، إن سقوط الدولة يبدأ من الإطاحة بهيبتها، ومهما كانت الظروف فإن أقوى الديمقراطيات في العالم لا تسمح بالمساس برمزية الدولة وبهيبتها، لأن ذلك يعني الانفلات التام المؤدي إلى الفوضى العارمة، فالأمن القومي قبل الشعارات البراقة، والسلم الأهلي والاستقرار فوق كل الحسابات.

لا شك أن تونس لا تستحق أن تكون عرضة للتآمر من قبل محسوبين عليها، ولا أن تكون ساحتها السياسية بين أيدي بلطجية وإرهابيين أو داعمين للإرهاب، وعلى الرئيس قيس سعيد أن يصارح شعبه بحقيقة من يعملون على تفجير البلاد من الداخل، فهو اليوم المسؤول الأول عن الأمن القومي ومصالح الدولة، وسيكون مدعوما بإرادة الملايين عندما يفضح مؤامرات الشرذمة الباغية التي تحاول نخر كيان المجتمع بمشروع أيديولوجي يلفظ أنفاسه الأخيرة حيثما حل، وما نزل ببلد إلا وأحاله إلى خراب.

*نقلا عن "العرب"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة