عاجل

البث المباشر

عبد الله بن بجاد العتيبي

<p>كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة.</p>

كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة.

ليبيا وصراعات «ميليشيات الوفاق»

حديث التاريخ وحديث الواقع شبه متطابقين في تناول موضوع الإرهاب والإرهابيين، وأنهم من أسرع الناس نزاعاً واقتتالاً، بسبب التطرف الشديد في الإيديولوجيا والتكفير، وهو ما جرى تاريخياً مع كل فرق الخوارج، التي كانت تقاتل بعضها وتتفرق وتتشتت في كل حينٍ، وهو ما يجري في الواقع الليبي، بعدما ازدحمت طرابلس وجوارها بالميليشيات والمتطرفين من كل حدبٍ وصوبٍ.
ليس التطرف وحده هو ما يفرق ميليشيات «الإخوان» والإرهاب في طرابلس، ولكن الخليط الذي جمعته تركيا من أمشاجٍ متعددةٍ، فمنهم «الإخواني» و«القاعدي» و«الداعشي»، كما أن منهم أصنافاً من المرتزقة والمأجورين، الذين تدفع تكاليفهم تركيا على شكل رواتب شهريةٍ لم يلبثوا أن اكتشفوا الخديعة، وأن تركيا خدعتهم ورمتهم في الصحراء الليبية ككلابٍ ضالةٍ بلا مأوى.
لمن لم يستطع تصور المشهد في ليبيا، وإمكانات تحوله إلى حربٍ ضروسٍ بين رفاق السلاح في «الوفاق» وميليشياتها، فيكفي استحضار نموذجين مهمين في العالم الإسلامي، حيث استمرت الحرب الأفغانية ضد السوفييت قرابة العقد من الزمان وأكثر، ولم يكد من كانوا يسمون بالمجاهدين ينتهون من حرب السوفييت، حتى شرعوا في حرب بعضهم البعض، حتى قبل أن يكتمل خروج السوفييت، واستمروا يقتّلون بعضهم في حربٍ أهليةٍ طاحنةٍ وصراعٍ مريرٍ على المال والنفوذ والسلطة.
ومثل هذا ما جرى في الصومال، حيث لم تزل الدولة فاشلةً، وأمراء الحرب من الإرهابيين يقتلون بعضهم بعضاً، وينشرون الفساد والإرهاب والتدمير في أرجاء البلاد، ولم يستطيعوا بعد من الخلاص من هذا المصير المظلم، الذي أسقطتهم فيه الميليشيات.
محاولات أردوغان اليائسة في تصدير فشله للخارج، لن تنطلي طويلاً على المواطن التركي، فضلاً عن القوى السياسية في تركيا، فالفشل الاقتصادي الذريع الذي يهدد الدولة، واستعجاله في استغلال الجيش التركي، وإرساله إلى الجبهات الخارجية في البحر الأبيض المتوسط، والسعي للاستفادة من حقول الغاز والنفط الجديدة بشكلٍ أقرب لتعامل عصابات المافيا لا علاقات الدول، وبقوانين القوة العنجهية لا بالقوانين الدولية.
الضربة القوية التي تعرض لها الجنود الأتراك داخل قاعدة «الوطية» الليبية، كانت ضربةً مهمةً وموجعةً للمستعمر التركي وأردوغان تحديداً، بحيث تفاجأ بشكلٍ لم يخطر له على بال بحجم الضربة وحجم التدمير الذي طال القوات التركية المحتلة في أرضٍ ليست أرضها وسماء ليست سماءها، وفي معركة لا يعرف الجندي التركي لماذا يخوضها، ودون أي غطاء شرعي يشجعه أو يمنحه الطمأنينة.
سعى أردوغان لتقليد النموذج الإرهابي الطائفي في المنطقة، مع عدم رؤية الفروق بينه وبين الدولة التركية، يعبّر عن حجم الهوى والوهم المسيطر على تفكير الرجل ورؤيته لمستقبله الشخصي، وانحيازه شبه الكامل لمشروع الإسلام السياسي الدولي، وليست للدولة التركية، فأي دولةٍ ترزح تحت عقوباتٍ قاسيةٍ تزيد وتنقص على مدى أربعين عاماً، وقد تعايشت مع ذلك لا يمكن بأي حالٍ قياسها بدولة حديثةٍ ذات مؤسسات كتركيا، فضلاً عن جعل تلك الدولة نموذجاً يحتذى به.
المؤثرات الدولية والإقليمية والمحلية في ليبيا مرشحةٌ دائماً للتغيير، والتغييرات في كلٍ منها تتفاعل مع التغييرات في المستويات الأخرى، وتحركات المستعمر التركي محكومة بقدرته على السير فوق هذه الرمال المتحركة، وهي رمالٌ لا يعرفها ولا يستطيع التعامل معها، وكل تغيير صغير سيشكل تحدياً كبيراً.
في الأخير، فلن يصح إلا الصحيح، ولا يمكن للمحتل التركي أن يبقى طويلاً في ليبيا العربية، وكما طرد المحتلون من قبل سيطرد المحتل التركي.

*نقلا عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات