عاجل

البث المباشر

زياد بهاء الدين

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

التحرش من منظور أوسع

تغيير السلوك الاجتماعى لا يحدث فجأة، ولا يأتى بسبب مقال أو بيان أو تشكيل لجنة أو حتى تطبيق قانون جديد. تطور السلوك الاجتماعى وارتقاؤه يكونان نتيجة التغير في الوعى وفى المفاهيم السائدة وفى القيم التي يعتبرها الناس جديرة بالاحترام أو تلك التي تصبح في نظرهم قبيحة ومستهجنة. وهو تغيير بالضرورة بطىء وتدريجى وقد يتأرجح بين التراجع خطوة والتقدم خطوتين إلى أن يستقر في الضمائر ويترسخ.

مع ذلك فمن وقت لآخر يطرأ فجأة وبدون مقدمات حادث صادم للرأى العام، فيجذب الأنظار ويفتح باب الجدل ويدفع الناس لإعادة النظر فيما كانوا يعتبرونه مقبولا. ومثل هذه الأحداث الكبرى لا تكون في حد ذاتها السبب وراء تغير السلوك الاجتماعى، ولكنها تساعد على تحفيزه والإسراع بوتيرته لأنها تكشف عن خلل جرى العرف على تجاهله وحان وقت لمواجهته بجدية.

موضوع التحرش بالنساء والفتيات ينطبق عليه ما سبق.

الشكاوى التي بدأت فردية من فتاة ثم اثنتين ثم ثلاث، اتسعت في أيام قليلة وبدأ الحديث يكثر في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعى عن أشكال ودرجات مختلفة من المضايقات والانتهاكات كان مسكوتا عنها من قبل. فهل الظاهرة جديدة؟ أم الحديث عنها هو الجديد؟ أم التعامل معها بجدية؟.

الأكيد أن التحرش ليس جديدا، وأنه لا يقتصر- كما يتصور البعض- على مجرد المعاكسة أو «الاستظراف» الثقيل بل يذهب لأبعد من ذلك بكثير، وأنه ليس مقصورا على الطرقات المظلمة بل يجرى في وضح النهار من شباب يتصورونه سلوكا عاديا واختبارا مبكرا للرجولة، وأنه يجد دعما أخلاقيا ومعنويا من جانب من يروجون لكون المتحرش بها مسؤولة عما يصيبها بسبب استهتارها في ملبسها أو مسلكها أو لمجرد جرأتها في اقتحام مجالات عمل ودراسة ومنافسة لا تليق بها.

والحقيقة أن التحرش جريمة، وهى جريمة وضيعة، وما يميزها عن باقى جرائم الاعتداء على النفس أن مرتكبها لا يقصد مجرد إشباع نزوة ملحة، أو الإيذاء البدنى لضحيته، بل الأهم من ذلك هو تعريضها للإهانة والتحقير في محاولته البائسة لفرض سيطرته والشعور ولو لوهلة بقوته وبضعفها. والحقيقة أيضا أن التحرش لا يعبر فقط عن انحراف مرتكبيه بل عن تقصير بالغ لدى المسؤولين عن تربيتهم في المنازل، وعن تعليمهم في المدارس، وعن بث الأفكار الفاسدة في عقولهم عبر مختلف قنوات التأثير.

فهل تؤدى شكاوى بعض الفتيات لتغيير هذا الواقع القبيح؟، بالقطع لا، فالتحرش سلوك اجتماعى لن يغيره أو يدفع لانحساره مجرد بلاغ أو أكثر للنيابة ولا مئات أو حتى آلاف التعليقات على «فيسبوك». ولكن بالقطع أيضا أن شجاعة الشاكيات، واستعدادهن للحديث عن تجاربهن، وصمودهن أمام الضغوط المعتادة لتجاهل الموضوع وستر الفضائح، كل هذا ليس جهدا ضائعا، بل سيترك أثرا ويدفع لحوار مؤجل ويشجع آخرين على الخروج عن صمتهم ويفسد على الساكتين راحتهم. ولعل تدخل المجلس القومى للمرأة، ورفض الأزهر الشريف للتحرش، وتحرك السلطات والنيابة العامة، كل هذه علامات مشجعة على أن شيئا ما يجرى وأن المياه الراكدة بدأت تتحرك بالفعل.

ولكن إن كنا نرغب في تشجيع حركة التغيير على أن تتصاعد وتكتسب مصداقية وقبولا في المجتمع ولا نستهدف مجرد القصاص من شخص أو أكثر، فإن علينا واجب توجيه هذه الحركة الناشئة في مساراتها الصحيحة لكى ينبنى حولها توافق تدريجى وواسع، وتخرج من كونها حركة نخبوية محدودة النطاق لتصبح تيارا رافضا للتمييز ضد المرأة وللتحرش بكل أشكاله وفى كل المجالات وعبر كل الطبقات الاجتماعية. وهذا يستدعى أن يكون هناك احترام ودعم لمن يتقدمن بالشكوى أو يفصحن عن تجارب مؤلمة، وأن نأخذ البحث في منابع التحرش الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بجدية دون أن تكون مبررا للجريمة، وأن نتمسك من جهة أخرى بمبدأ براءة المتهم حتى تثبت إدانته كى لا تتحول هذه الحملة النبيلة إلى وسيلة للتشهير أو لتصفية الحسابات.

نريد لحملة مكافحة التحرش ألا تكون «فرقعة» إعلامية عابرة، بل أن تنمو ويشتد ساعدها وتكتسب أرضية ومصداقية في كل المجتمع لأنه عندئذ فقط يكون التغيير عميقا وحقيقيا ومستداما.

*نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات