عاجل

البث المباشر

انتحال صفة: «رجل»!

مَن لا قوامةَ له على غرائزه، كيف يزعمُ القوامةَ على النساء؟! لهذا قال تعالى: «الرجالُ قوّامون على النساء»، ولم يقل: «الذكور». فالفارقُ بين «الرجل» و«الذكر»، كالفارقُ بين الجبل الأشمّ وكوم التراب الهشّ يذروه بعضُ هواء. الرجولةُ قوة ونبلٌ وشهامةٌ ومسؤولية وحماية ورباطةُ جأش وثباتٌ انفعالى. فيما الذكورةُ غريزةٌ هشّة تُستثارُ بفكرة أو صورة أو كلمة، أو شماعة المكوجى تحمل فستانًا. الرجولةُ تحضُّرٌ وسمو، فيما الذكورةُ الطليقةُ همجيةٌ رعناء. لهذا فأنا أطالبُ بمحاكمة «الذَّكر» الذى قال إن ملابس النساء غير المحجبات تستفز «ذكورته»؛ بتهمة (انتحال صفة رجل) لأنه يُقرُّ بنفسه عن نفسه أنه «ذكرٌ» لا يتحكّم فى غرائزه ولا يُطيق غضَّ البصر الذى أمر به دينُنا. قال «الذَّكرُ» نصًّا: (عدم الحجاب تعرى نعم، لأنكِ تُبرزين مفاتنَكِ التى تستفزُّ بالفطرة ذكورتى)! وبعيدًا عن الخطأ اللغوى فى كلمة (تعرى) وصحيحُها (تعرٍّ)، وهو خطأ لا يقعُ فيه من يزعم أنه رجلُ دين حافظ القرآن الكريم؛ الذى يضبطُ لسانَ قارئه، وبعيدًا عن مفردات غير لائقة يقولها فى فيديوهاته المصوّرة مثل «جامد زوحليقة»، وغيرها من كلمات تُهينُ قائلَها ولا تليق برجل دين كما يُصوِّر لمتابعيه، إلا أن كلامَه ليس إلا اعترافًا صريحًا بعدم استطاعته التحكّم فى غرائزه وشهواته أمام أى فتاة «غير محجبة». ولن نسألَه: (وكيف تبرّرُ التحرشَ بالمحجبات والمنتقبات والأطفال والطفلات؟)، لأنه أجاب عن ذلك قائلا: (بسبب الكبت الجنسى اللى بيشوفوا من اللى بيلبسوا لبس ملفت.. عمال يتشحن فبيدور على أى شىء يوجه طاقته الجسدية له)! هذا نصُّ كلامه بالحرف. وإذن، إذا افترضنا جدلًا «أن جميعَ المسلمات قد تحجبن»، فهل يعطى هذا الشخصُ مبررًا للتحرش بالمسيحيات اللواتى لا يضعن الحجاب؟! الإجابة المؤسفة: «نعم»! وتلك الفكرةُ كامنةٌ فى ذهنه الباطنىّ؛ باعتبار «المسيحيين كفارًا» كما صرّح هو مرارًا؛ وبالتالى يجوزُ على نسائهم ما يجوز على الكفّار فى الغزوات من سبى واغتصاب واسترقاق!.

من كلماته المأثورة نصًّا ما يلى: (ليس من الطبيعى أن تخرج فتاةٌ بملابسَ لا تصلحُ إلا للنوم، ثم تشكو من التحرّش!)، وهنا يُعطى صكَّ أمان للمتحرّش بحقه فى إيذاء المرأة قولًا أو فعلًا، تَِبعًا لملابسها!، والشاهدُ أن المتحرشين لا يتحرشون بمن ترتدى ملابس مكشوفة وفاضحة، بل بفتيات الجامعة اللواتى يلبسن الملابس الكاجوال البسيطة، مثلما يتحرشون بالمحجبات والمنتقبات والأطفال، فالمتحرش (ذكرٌ هائجٌ) لا يميّزُ ولا يختارُ؛ لأن عقلَه غائبٌ وغرائزَه حاضرةٌ وجاهزة ومهيأة لإيذاء (أى) امرأة أو فتاة أو طفلة، أو حتى «طفل».

وفى مقابل جميع ترهات هذا الشخص السابقة، نجد بيان دار الإفتاء الحكيم الرصين يقول: (إلصاقُ جريمة التحرش النكراء بقَصْر التُّهْمَة على نوع الملابس وصفتها تبريرٌ واهمٌ لا يَصْدُر إلَّا عن ذوى النفوس المريضة والأهواء الدنيئة؛ فالمسلم مأمورٌ بغضِّ البصر عن المحرَّمات فى كل الأحوال والظروف. والـمُتحرِّش الذى أطلقَ سهام شهوته مُبرِّرًا لفعله جامعٌ بين منكرين: استراق النظر وخَرْق الخصوصية به، والنبى صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «إياكم والجلوس على الطُّرقاتِ»، فَقَالُوا: ما لنا بُدٌّ، إنما هِى مجالسُنا نتحدَّثُ فيها، قال: «فإذا أبيْتُم إِلَّا المجالسَ، فأعطوا الطَّريقَ حقَّها»، قَالُوا: وما حقُّ الطريق؟ قال: «غَضُّ البصرِ، وكفُّ الأذى، وردُّ السَّلامِ، وأمْرٌ بالمعروفِ، ونَهىٌ عنِ المنكَرِ»).

وقبل أن يرمينا أحدُ السفاسطة بما لم نقصد، ويُغيّر مسارَ الحديث عن موضعه، على نهج (مغالطة رجل القش) التى ينهجُها فى جميع محاوراته، فهذا المقال، وجميعُ قولنا السابق واللاحق، لا يدعو إلى السُّفور ولا يهاجم الاحتشامَ، ولا يناقشُ أصلاً حرية المرأة فى ارتداء ما تشاء من ملابس بما يتفق مع طبيعة المجتمع ومناسبة الملبس للمكان. إنما نطرح فى مقالنا عدة أفكار ومغالطات واضحة، وهى:

١- «عدم التحكم فى الغزائز» لدى «الذكر»، ثم ادّعاء «القوامة»؛ وتلك قضية متناقضة.

٢- تبرير التحرش والاغتصاب لغير المحجبات، بزعم أنهن «يتعرين» بهدف التحرش بهن، وفق قوله!

٣- تبرير التحرش واغتصاب المحجبات والمنتقبات والأطفال، مادام هناك «امرأة واحدة» فى المجتمع «غير محجبة» تستثير شهوات «الذكر»؛ فيلجأ إلى تفريغ شهوته الجسدية فى أى شىء يجده، وفق قول المذكور.

٤- إعطاء رخصة للتحرش بالمسيحيات كونهن غير محجبات، وكونهن «كفّارًا»، وفق زعمه وأمثاله.

٥- فضُّ الخلط بين مفهومى: «الرجولة» كمسؤولية وقيادة وريادة، و«الذكورة» كانبطاح وانقياد وتبعية.

وللحديث بقية.

«الدينُ لله.. والوطنُ لمن يحترم الوطن».

*نقلا عن"المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات