عاجل

البث المباشر

عمار علي حسن

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط في الشرق الأوسط

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط في الشرق الأوسط

كورونا والمجتمعات العربية الفقيرة

جاء فيروس كورونا ليجد أي مجتمع عربي فقير على حالته التقليدية، قرى لم تتخل بعد عن عاداتٍ لازمتها مئات السنين، بل يزيد، ومدن «متريفة»، لاسيما في أحيائها الشعبية المزدحمة. إنها بيئة اجتماعية غارقة في علاقات بسيطة، وعمران لا يعطي الناس فرصاً جيدة ليمارسوا التباعد الاجتماعي. فالشوارع ضيقة، والأرصفة تآكلت، والسكنى تضج بالساكنين، كذلك كل شيء، المحال والمقاهي والمطاعم الفقيرة، والأسواق التي تتابع أيامها في القرى، فيأتي إليها الناس من كل البلاد المجاورة، أما أسواق المدن فهي أكثر ازدحاماً، لأنها تكون مقصداً لأهل البندر والريف معاً. وهناك موالد حول أضرحة يبارك الناس المدفونين تحت ترابها، ويشدون إليها الرحال مبتهلين مهللين، طالبين من أرواح الراقدين دعاء بالسكينة والرزق والفرح. إنها حياة ألفها الناس وألفتهم، لم ينقطعوا عنها أبداً، وصاروا منها، ولا يتخيلون أن شيئاً سيحول بينهم وبينها في أي يوم.
هجم الفيروس اللعين، فوجد الناس غير مهيئين له، فالذين حضروا أيام الوباء الذي ضرب بعض بلدان العرب قبل أكثر من سبعين عاماً، هم عجائز الآن، بعضهم لم يعد يتذكر شيئاً، وبعضهم كان أيامها طفلاً، ولم يدر حقيقة ما جرى على نحو تام. كانت تجربة قاسية على من اعتادوا الشعور بالحياة تدب في أوصالهم وهم منبعثون في زحام يرافقهم في البيوت والشوارع وأماكن العمل والتنزه، ولا يتخيل أي منهم أنه يمكن أن يمضي وحيداً في وحشة الأيام، أو تحيطه جدران أربعة، تطبق على روحه، وتقول له صباح مساء: ابق مكانك يا سجين.
كثير من العادات توارت مؤقتاً، أو تصور الناس أنها كذلك وهم يجلسون في المساء ينصتون إلى صراخ مذيعي التليفزيون محذرينهم من الإهمال والغفلة، ومذكرينهم بالعقوبات التي أقرتها الحكومات على كل من يخالف التعليمات.
كان هذا في بعض أحياء المدن الفقيرة وليس كلها، فسكان الشوارع الخلفية بالمدن المتقاطرة وأهل الريف، لم يستجيبوا لكثير مما يرونه مهدداً للألفة والتقارب والتجاور، ومضوا في حياتهم، إلا القرى التي ظهرت فيها حالات إصابة، ليس لأن الناس جفلوا كثيراً، إنما لأن الحكومات ضربت حولها طوقاً، وفرضت عليها نظام حركة مختلفاً.
كل هذه الإجراءات المؤقتة والهامشية، كنستها ريح العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية، وفق ما أعلنت بعض الحكومات، وهي حياة لم تغب عن كثيرين تمردوا على الخوف والالتزام بالوقاية، ومضوا، ربما جسارة أو جهلاً، في ما عرفوه واعتادوه، وبعضهم راح يسخر من الوباء، ويقول: هل يخاف الإنسان من شيء ليس له أنياب طويلة حادة؟
حين هجمت الكوليرا في أربعينيات القرن العشرين، لم يكن أغلب الناس لديهم مذياع، ولا يقرؤون الصحف، ولم يكن الوعي الصحي على حاله الآن، لكنهم تنبهوا إلى الكارثة حين رأوا قوافل صحية تجوب القرى، وتقيم مستشفيات للعزل خارجها، والأهم حين رأوا بعضهم يسقط ميتاً. كانت الكوليرا تميت أسراً بكاملها، ويخشى الناس غسلهم وتكفينهم، فتهدم عليهم بيوتهم، وتصير قبورهم. بعض الناس شمروا عن سواعدهم واقفين إلى جانب الأطباء، الذين كانوا في الخط الأمامي، يؤدون واجبهم، بإمكانيات شحيحة، وبعضهم تملكه ذعر شديد، وهو يرى ما لا يراه يحول بينه وبين رؤية أحبائه مرة أخرى.
كل هذا لا تعرفه الأجيال اللاحقة، التي تعاملت مع أمراض خطيرة، لكنها لا تُعدي، أو أن عدواها محدودة، ويمكن تجنبها، بدءاً من البلهارسيا وأنواع من الحمى وانتهاء بالكبد الوبائي، الذي حصد أرواح كثيرين، لكن على مهل، دون أن يثير ذعراً، وقيل للناس: إن فحصتم أجسادكم مبكراً، يمكنكم تجنب أذاه.
اليوم، يقف الناس أمام شيء مختلف، أو هو لا شيء عند الأغلبية؛ لأنهم لا يرونه، وما إن بدأ أهل المجتمعات الفقيرة يشعرون بخطره، وهم يتابعون ارتفاع أرقام المصابين والموتى، حتى قيل لهم: عودوا إلى حياتكم الطبيعية، ولأنهم لا يزالون يعتقدون أن الحكومات تعرف أكثر عادوا، بل إن الأغلبية الكاسحة منهم لم تكن في حاجة إلى دعوة من الأساس.

*نقلا عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات