عاجل

البث المباشر

إميل أمين

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

فوضى الهويات.. ومساقات العالم الحديث

حين صدر المؤلف الأحدث لفرنسيس فوكاياما المفكر الأميركي الجنسية الياباني الأصل، منذ عام تقريبا، وقد حمل اسم "الهوية.. مطلب الكرامة وسياسات الاستياء"، لم يكن العالم قد دخل عمق لجة وباء كورونا، والتي أظهرت في بداياتها على الأقل أن عالمنا محكوم ولا يزال بالهويات الوطنية، وربما بالأعراق والاثنيات، بأكثر مما خيل إلى الكثيرين بشأن تأثيرات العولمة، تلك التي أزالت السدود والحواجز، وجعلت من العالم قرية كونية بحسب البروفيسور الكندي مارشال ماكلوهان، وإن كان في رأي صاحب هذه السطور المتواضعة، أن وسائط التواصل الاجتماعي، على اختلاف مسمياتها، قد جعلت من عالمنا المعاصر حارة كونية، وليس قرية عالمية.

لماذا يتعين علينا أن نزور عمل فوكاياما مرة جديدة هذه الأيام؟

ربما لأكثر من سبب، الأول موصول بما قبل كورونا، والثاني بما بعدها، أما الأول فلأنه يعزز من المحاصصة الأممية على أساس الهويات القاتلة، إن جاز لنا استعارة التعبير من المفكر اللبناني الأصل، الفرنسي الجنسية أمين معلوف.

فيما الثاني مرده مشهد القلاقل الشعبوية حول العالم، لا سيما في الداخل الأميركي، والتي رأيناها الشهر الماضي بنوع خاص، وهي تظهر استياءها الواضح في بحثها عن الكرامة.

هل فوكاياما رؤيوي استشرافي أم عالم اجتماع له نظرة تمتد من الماضي، وتنسحب على الحاضر وتتنبأ بالمستقبل إن قدر له ذلك؟

حكماً الرجل مفكر عميق ورصين، ولكنه ليس منزها أحيانا عن الشطط الفكري المصاحب للعمل التنظيري في كل زمان ومكان، وهذا ما رأيناه منه ومعه في رؤيته "لنهاية التاريخ"، وإن عاد لاحقا للتراجع عن تلك النظرة الشمولية المثيرة للجدل والتي تذكر العالم بفكرة الألف عام التي تحدث بها رجالات الرايخ الثالث.

يؤكد فوكاياما ما ذهب إليه البعض من ان الهوية في القرن الحادي والعشرين مسألة لزجة، أي قابلة للتشكل، وعنده أن الهويات الحديثة مرنة وطيعة وقابلة طبيعتها للتغيير وإعادة التوجيه.

هل جاء عمل فوكاياما الأخير ليكون في خدمة الإمبراطورية الأميركية قبل أي دولة أخرى؟

كتاب فوكاياما صدر قبل مناوشات مينسوتا، والتي هي عرض لمرض الهويات التي تستشعر خطرا الانتقاص من كرامتها في الداخل الأميركي، أو هكذا تتخيل، كما الحال مع الأميركيين من أصول إفريقية، وهو شعور يعود إلى قرون طويلة، الأمر الذي اعتبره الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ذات مرة، أنه خطيئة أميركا الأصلية.

في هويات فوكاياما نجده لا سيما في فصله الأخير أقرب ما يكون للمفكر الدوجمائي، وهو لا ينسى أبدا أنه ابن قس مسيحي ومبشر، ولهذا يكاد ينزع عنه الثوب الخاص بعلماء الاجتماع، ليرتدي ثوب الوعاظ، وليقدم وصفات أقرب ما تكون إلى الوصايا الروحية المفيدة في التوصل إلى حلول لمشكلات الهجرة والجنسية واللاجئين، عطفا على تقوية اللحمة المجتمعية الأميركية، وتعزيز الولاء المطلق للهوية القومية الأميركية.

هل هناك خطر ما يستشعره فوكاياما ولهذا حفر عميقا عند بئر الهويات منقوصة الكرامة؟

من الواضح أن فوكاياما يخشى كل الخشية من أن تكون الشعبويات الصاعدة، والقوميات المنطلقة إلى أعلى عليين، خطرا مهددا للنيوليبرالية، سواء في منظورها الاقتصادي، أو بعدها السياسي، وكلاهما قادر بالفعل على تهديد بقاء النموذج الرأسمالي الغربي والأوروبي خاصة، سواء عبر ظهور نماذج متطرفة من اليمين بأشكاله وصنوفه المتباينة، أو عبر نشوء وارتقاء اشتراكية أميركية بطعم وملمس جديد، وهو ما نراه في بعض الوجوه الديمقراطية الأميركية الشابة من نوعية الاشتراكية الديمقراطية الكسندرا أوكاسيو، أصغر نائب في الكونغرس الأميركي حيث يبلغ عمرها 29 عاما.

صرخة فوكاياما في عمله الأحدث لا تخص الأميركيين فقط، وإنما تهم العالم برمته، إذ لم تعد خطوط طول وخيوط عرض السياسة العالمية في حاضرات أيامنا تتركز حول نقاط الصراع الأساسية التقليدية، والتي عرفها العالم على نحو خاص بعد الحرب العالمية الثانية، ما بين أهل اليمين تارة وأصحاب اليسار تارة أخرى، ناهيك عن حركة الحقوق المدنية والحركات النسوية أو أحزاب البيئة، مرورا بالحركات القومية الأوروبية المناهضة للهجرة واللاجئين، والأقليات وإشكاليات تعدديتهم الثقافية، وصولا إلى المشهد الأميركي المحتقن، ولا يوفر الحديث عن التطورات التي جرت في العالم العربي خلال السنوات العشر المنصرمة.

فوكاياما ينذر ويحذر من أن السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين سوف تدور حول سياسات الهوية، ومطلب الاعتراف بكرامة مجاميع تشعر بالاستياء نتيجة تهميشها أو تغييبها أو تهديد وجودها.

يضعنا فوكاياما في فصله الخير المعنون "ما العمل؟"، أمام حقيقة مثيرة ومخيفة في آن واحد، وهي أن فوضى الهوية شرط لازم للعيش في العالم الحديث، فالتحديث يعني التغيير والاضطراب المستمرين، وانفتاح خيارات لم تكن متاحة من قبل. والتحديث بطبيعته حركي ومعقد ومرن، ومرونته عموما إيجابية، إذا ما فتئ ملايين البشر على امتداد أجيال يهربون من قراهم ومجتمعاتهم التقليدية التي لا توفر لهم خيارات كافية إلى أخرى تتيحها وتحققها.

هل يعني ذلك أنه لا بد لنا من أن نتوقع المزيد من الاضطرابات الاجتماعية، والتي تقود إلى ثورات أو فورات حول العالم، وحتى تتحقق الدعوة الطوباوية عن العدالة الاجتماعية، والسلم المجتمعي، وجميعها في غالب الأمر بعيدة عن أحوال عالمنا المعاصر بدرجة كبيرة؟

السؤال الأكثر هلعا، هل يمكن أن تؤدي تلك الاضطرابات إلى حروب جديدة، تبدأ إقليميا، وتنتهي عالميا، ما يعني دوامة من صدامات الفناء غير الحضارية، ولا الإنسانوية؟

يحتاج حديث الهويات إلى ما هو أعمق من مقال عابر سيما وأنه بحسب فوكاياما تقوم ظواهر سياسية عديدة اليوم على موضوع الهوية، من الحركات القومية، إلى التيارات الأصولية الإسلاموية إلى الصراعات الفكرية في حرم الجامعات.

ولعل الخلاصة مثيرة بدورها، ذلك أنه على الرغم من أن مسألة الهويات قابعة في النفس الإنسانية، إلا أنها ليست جامدة بالمطلق وليست بالضرورة مقدرة ومعطاة بحكم مصادفات مولدنا.

هناك خبران قبل الانصراف أحدهما منفر والآخر مبشر، السيئ هو أن الهوية يمكن استخدامها في التفتيت والتقسيم، والجيد هو أنه يمكن استخدامها كذلك، بل وقد استخدمت فعليا في الدمج والتوحيد، وربما يشير فوكاياما هنا إلى التجربة الأوروبية بصورة أو بأخرى.

في كل الأحوال سيكون التقريب والدمج والتوحيد هو العلاج الأنجع لمواجهة السياسات الشعبوية في وقتنا الراهن.

في تعليقها على هذا العمل الفكري الواجب الاهتمام، تقول مجلة الأوبزرفر البريطانية "اقرأ هذا الكتاب كي تعرف ما يحدث.. ولا تقل مستقبلا إن أحدا لم يحذرك".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات