عاجل

البث المباشر

غرامشي والبحث عن يوتوبيا عراقية مؤجلة ..

كنت قد أجريت دراسة مقارنة بين الفوضوية والأمير الحديث للمفكر والسياسي الإيطالي غرامشي ، فيما سبق وبعد نقاش كثير مع بعض الأساتذة حول آليات الحكم الرشيد وتتابعاتها وصلت الى ضرورة أن يكون الأمير الحديث لغرامشي كنظام حكم رشيد وهو مثار النقاش لاسيما وإن الغرض من هذه الدراسة بأجزائها الثلاثة أن نصل الى العدالة الاجتماعية وطريقة تحقيقها كمفهوم ،

ويبدو أن الصراع حول هذا المفهوم بين من يريد تطبيقها ويحلم بها وهو المستغَل (بفتح الغين) وبين من يرفضها لأنها تتعارض مع مصالحه وهو المستغِل(بكسر الغين) هو صراع محموم ، وهو كما وصفه الأستاذ باسل محمد عبدالكريم في تقديمه لكتاب القرامطة والعدالة الاجتماعية

(إنه صراع يعود الى بدايات الحضارات الانسانية إنه صراع القوي مع الضعيف، صراع الأكثرية مع الأقلية ، صراع الاثنيات المهيمنة وتلك المهمشة ، إنه صراع لا ينتهي) (القرامطة والعدالة الاجتماعية ،ياسر جاسم قاسم ، المقدمة ، دار ضفاف،بغداد،2018) ويقدم نماذج لهذا الصراع مبتدئاً إياها بثورة سبارتاكوس وقيادته لعبيد روما الى ثورة الزنج في سباخ جنوبي العراق /البصرة تحديداً ، والتي هيأت المناخ لثورة القرامطة ومن كومونة باريس التي تزعمها العمال والمهمشون الذين عانوا من الاضطهاد والمهانة الى ثورة البلاشفة ضد هيمنة القياصرة والاقطاع في روسيا 1917م، ومن عصبة سبارتاكوس التي قادها كارل ليبتنخت وروزا لوكسمبورغ في بدايات القرن العشرين ضد الحكم المستغل للطبقة الحاكمة في ألمانيا الى انتفاضة الغموكة في أحراش الهور في الناصرية أواخر ستينيات القرن الماضي والتي قادها خالد أحمد زكي الى ثورات العمال والفلاحين التي قادها الحزب الشيوعي العراقي إبان الأربعينيات والخمسينيات في العراق ومنها انتفاضة الحي في الكوت الى القرابين التي قدمت على مذبح الحرية والنضال للخالدين فهد ورفاقه الذين أعدِموا وسلام عادل الذي مات تحت التعذيب . وهكذا يعدد الاستاذ باسل لهذه الحركات والثورات والانتفاضات التي طالبت بالعدالة الاجتماعية كثيم مهيمن داخل المجتمعات فيذكر تجربة الثورة الشعبية في أمريكا اللاتينية و صعود النموذج الجيفاري الى حضور الكنيسة مع الحركات الثورية ، وهي تجارب كما قال ليست منتهية وتتمخض دوماً عن إرهاصات ثورية متعددة ، ربما لمدى ملائمة الواقع المحلي والعالمي الذي شهد تراجعاً واضحاً في حركة اليسار العالمي مع صعود ملفت لليمين بأعتى رموزه الفاشية التي لا تعترف بمفهوم الحكم الرشيد، ويضيف وبعد أن اثبت الاسلام السياسي إفلاسه على صعيد الواقع الاجتماعي والاقتصادي في العراق وأثبت فشلاً ذريعاً في بناء الدولة الديموقراطية ودولة المواطنة المنشودة ونتيجة لهذا الفشل جاءت ثورة تشرين العراقية /2019 كرد فعل لطريقة الحكم اللاعدالوية في المجتمع ،هذه الدراسة بأجزائها الثلاثة أنشأت مقاربة من أفكار برودون الى انطونيو غرامشي عبر فكر محدد لتشخيص الخلل وأوجه المقارنة والمقاربة وكمية اقتراب هذه الأفكار من الحالة العراقية ومحاولة ايجاد الحلول للمشاكل السياسية والاقتصادية المستعصية في العراق عبرها والخروج بنظام حكم رشيد والبحث في آلياته بالاقتراب من نظام الأمير الحديث الذي اقترحه كرامشي أو الفوضوية التي اقترحها برودون بما يحقق العدالة الاجتماعية الموعودة .

• العناصر الثلاثة التي يذكرها غرامشي لتكوين أي حزب :

1 - "عنصر واسع الانتشار والذي يشمل رجالاً عاديين يشاركون بانضباطهم وبأيمانهم لا بروحهم الخلاقة والمنظمة وهم يشكلون قوة متى وجد من يمركزهم وينظمهم ويبعث فيهم روح الانضباط ،وبالافتقار الى هذه القوة سيتشتتون وسيختزلون بعضهم البعض وهم غير قادرين تماماً أن يصبحوا قوة لاحمة"(الامير الحديث، انطونيو غرامشي، الجمل ) بمعنى تجمعهم المصالح وسرعان ما ينتهون بزوالها، هؤلاء الرجال العاديون موجودون في كل الأحزاب العراقية ويشكلون عناصر مسلحة في الغالب، ويشاركون الحزب إيمانهم وينفذون أجندات للحزب خاصة جدا، والتي تصل في كثير من الأحيان الى التصفيات ولا يملكون روحاً خلاقة ومنظمة بل يشكلون قوة وهم غير متلاحمين وإنما تجمعهم المصالح الحزبية الفئوية ، وهذا ما شاهدناه ليس في الأحزاب العراقية بعد التغيير فحسب بل كذلك في حزب البعث الفاشي.

2 - "عنصر التلاحم الرئيس الذي يمركز كل القوى في المجال القومي ويجعلها فعالة وقادرة وهي لو تركت وحدها لن يكون لها أدنى أثر أو سيكون لها أثر ضئيل جداً على اأكثر لهذا العنصر طاقة مركزة وضابطة وعاملة على أقصى حد من التلاحم، وهذه الطاقة أيضا خلاقة ضمن اتجاهات للقوى ومتطلبات ورؤية معينة"، وقدرة هذا العنصر على تشكيل حزب أقوى من قدرة العنصر الأول الذي هو جماهيري فبالامكان أن تقول عن هذا العنصر إنه عنصر النخبة في الحزب والذي وصفهم غرامشي (جنرالات بدون جيش) وهم أسهل بكثير من تنشئة جنرالات وهم قادرون على أن يشكلوا ميليشيات لذلك الحزب يقول غرامشي" ان وجود جنرالات دربت تعمل سوية في توافق داخلي ،وفي سبيل أهداف واحدة تسهل عملية إنشاء الجيش ،حتى حيث لا وجود له" (الامير الحديث، م س ) وهذه الجنرالات تعمل عملاً سيئاً يتمثل بإلغاء وجود الدولة وتكوين جيش/ميليشيا خارج إطار الدولة ، هذا الجيش يأتي من العدم ويكون جيشاً مقدساً ، إن اختفاء جنرالات من جيش حقيقي يُعمل على تحطيمه ، إلا أن هذه الجنرالات تكون جيشاً من العدم وتسهم في تشكل اللادولة ، في ظل الدولة ، وما بين العنصر الأول :الجماهيري /الشعبوي للحزب والعنصر الثاني النخبوي الذي يشكل اللادولة هنالك عنصر ثالث في تشكل الحزب.

3 - العنصر الأوسط: (الذي يربط الأول بالثاني ربطاً ليس مادياً فحسب بل معنوياً فكرياً) ويشير غرامشي أن لكل حزب نسباً محددة بين العناصر الثلاثة هذه ويعطي معلومة خطيرة تتمثل في" إذا توفرت هذه الشروط أمكن القول باستحالة القضاء على الحزب بالطرق العادية ،لأنه إن وجد العنصر الثاني بالضرورة هذا العنصر المرتهن للوجود أصلاً بوجود شروط مادية موضوعية :مال وسلاح مثلاً ولو كانت في حالة ضبابية ، واعتبر غرامشي "إن لم يوجد العنصر الثاني النخبوي لفقد التحدّث عن الموضوع مبرراته فلا بد من نشوء العنصرين الآخرين، الأول المؤدي بالضرورة الى نشوء العنصر الثالث /الأوسط وكواسطة لتعبيره عن نفسه، بدون القناعة الحزبية العالية لن يستطيع العنصر الثاني النخبوي أن يتشكل ، وعلى الرغم من أهمية العنصر النخبوي الحزبي الثاني إلا أنه عنصر يمكن القضاء عليه بسهولة أكثر بسبب عدده الصغير" ويعتبر أن مثل هذا العنصر لن يترك مكانه فارغاً.

بل" يمكن أن يكون قد ترك خميرة يمكن إعادة تشكيله منها، وأين يمكن أن توجد الخميرة بشكل أجود وبإمكانات تشكيل أفضل في غير العنصرين الأول والثالث، وهما متجانسان مع الثاني على الوجه الأفضل، بذلك يصبح نشاط العنصر الثاني في تشكيل الخميرة أمراً أساسياً" والسؤال هل ترك حزب البعث مثلاً خميرة؟ نعم ترك خمائر وليست خميرة واحدة ، تعيد تشكيل نفسها كلما اقتضت الضرورة ولو طبقنا الخميرة على تنظيم داعش الإرهابي لوجدناه أنه وبفضل عنصره الثاني /النخبوي الذي ظننا أنا قضينا عليه قد ترك خميرة سرعان ما تشكلت بواسطتها قوى جديدة لداعش ها هي اليوم تشن هجمات وإن كانت بسيطة إلا أن هذا الموضوع يبين خطورة الخميرة التي يتركها حزب أو حركة أو تنظيم معين، بواسطة عنصره الثاني الذي أشرنا إليه، لذلك لطالمنا أكدنا أن داعش ليس تنظيماً بسيطاً فحسب بل وإن القضاء عليه لا يكون فقط عسكرياً بل فكرياً كذلك لأنه يحوي عناصر قد تركت خميرة له في كل مكان قادرة على التشكل وهنا ينبغي دراسة هذه الخمائر ومحاربتها كي لا يكون قادراً على إعادة تكوينه مرّة ومرّات ، وفي هذا السياق رأيت تقريراً يسلط الضوء على عوائل داعش المعتقلين في المعسكرات بين العراق وسوريا وفي اللقاء مع إحدى زوجات الدواعش قالت نصاً "لو رجع التنظيم لرجعت أقاتل في صفوفه" هذه احدى الخمائر الأساسية في إدامة زخم التنظيم . وهذا الأمر ينسحب على كل الحركات المسلحة العقيدية بغض النظر عن أيديولوجيتها.

*نقلا عن "المدى"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات