عاجل

البث المباشر

عبد المنعم سعيد

كاتب ومفكر مصري

كاتب ومفكر مصري

لا تتعجلوا...!

لا تتعجلوا العودة إلى ما كنا عليه، والنداء هنا للشعب المصرى كله وللدولة المصرية وسلطاتها المختلفة، وما لا يجب العجلة فيه هو الشعور بأن أزمة الكورونا قد ذهبت إلى غير رجعة، وأن العودة إلى الحياة الطبيعية قد آن أوانها. وللمتابعين للكاتب فإنه منذ اليوم الأول للجائحة فإن النداء كان بضرورة استمرار المسيرة التنموية لمصر، وأن يكون شعار المرحلة هو أن نبنى كما لو أنه ليس هناك فيروس، وأن نحارب «كوفيد- 19» كما لو أنه ليس علينا بناء مصر كلها.

الشعار حتى الآن لم يتغير، ولكن التطبيق فيه بداية عوج، خاصة بعد قرار الدولة منذ الأول من يوليو الجارى بالعودة إلى الحياة الطبيعية، مع استمرار الإجراءات الاحترازية اللازمة.

وفى الأسبوع الأول من الشهر الجارى، بدا وكأن المصريين باتوا متحمسين للمعادلة، فخرجوا إلى أعمالهم، وبدأت الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية والأفراد والأسر على اختلاف مشاربها فى ممارسة الحياة، مع درجة كبيرة من الحرص على اتباع الروتين المعروف لغسيل اليدين وإجراءات التعقيم المختلفة، وبالطبع وضع الكمامات على الأوجه.

ركاب سيارات الميكروباص وسائقوها وضعوا الكمامات، حتى ولو كان الاستثناء واحدًا أحيانًا، واتّبعت المطاعم الأحكام المرعية فى زمن الوباء، والمؤسسات الحكومية كانت حريصة على اتباع الأحكام والأعراف، ومعها الأسواق والمحال العامة.

مع مطلع الأسبوع الثانى، ربما كانت هناك تهنئة فى مطلعه، ولكنه لم ينته إلا وتراجعت القواعد والأصول تدريجيًا، وبان التكاسل على مَن يقيس حرارة الناس، واختفت الكمامة، بعد انكماش مساحتها على الوجه، وهكذا أمور محزنة. وعندما اقتربت من اللجنة الشرطية القريبة، ظننت فرحًا أن هناك تفتيشًا على الكمامات الآخذة فى الانحسار، ولكن جنودنا لا وضعوا الكمامات على وجوههم ولا فتّشوا عليها، ولا كان الميكروباص القريب فيه كمامة واحدة. قام أشقاؤنا فى الشرطة بواجباتهم التى كانت قبل الجائحة بأمانة وصدق ورقى، والتى عدنا لها بعدها كما كانت للحفاظ على الأمن وسيولة المرور، أما الاعتبارات الصحية فبدَت كما لو أنها مرحلة وذهبت.

ولكن المرحلة لم تذهب، لا حتى الآن على الأقل، ولا فى المستقبل القريب. الاقتصادى المصرى الشهير د. محمد العريان، حذر، مؤخرًا، فى مقال له فى «وول ستريت جورنال»، من تصوُّر انتهاء الأزمة.

جميع الهيئات والمؤسسات الصحية فى العالم، وما أعرفه فى مصر أيضًا، ترى الأزمة لا تزال جارية. اكتشاف المرض نفسه لا يزال جاريًا، وهناك احتمالات أن ينتقل فى الهواء، والبحوث على المرضى أثبتت أنه لا يصيب الجهاز التنفسى فقط، وإنما يمكنه الذهاب إلى مناطق أخرى من الجسم، مُستهدِفًا أعضاء مثل الكبد والبنكرياس والقلب، والمتابعة تقول إن حدوث موجات أخرى بات ممكنًا وواردًا، وقد حدث فى العديد من الولايات الأمريكية والصين وكوريا الجنوبية واليابان ومناطق أخرى من العالم ظنت أنها قد مرت بالوباء وحصلت على المناعة القومية مضافة إلى تلك الفردية، ومَن توهموا فى السويد الحصول على «مناعة القطيع» ثبت خطؤهم الفاحش.

اللقاحات والأدوية جرى الاجتهاد فيها بسرعة غير عادية مقارنة بأمور مماثلة فى الماضى، ولكنها تحتاج اختبارات دقيقة للإنتاج، وهناك بعد ذلك عملية التصنيع والتوزيع، وحتى بعد ذلك كله فإن للمرض حلقات يجرى فيها، فيقاوم ويتحول، ولكن انتصار الإنسان عليه مؤكَّد بعد زمن لا يعرفه إلا الله.

لا تتعجلوا العودة إلى ما كنا عليه بسرعة لأن مصر واعدة، ومشهد دخول الأزمة والخروج منها رغم كل شىء جدير بالفخر، كما أن مشهد التغييرات الكثيرة على الأرض يدعو إلى الفرحة بأنه حتى وقت الجائحة لم نُضيِّع وقتًا.

وكما لا تتعجلوا استخلاص دروس من الأزمة، ربما لا يكون لها أهمية كبيرة بعد العودة إلى النشاط والإنتاج فى العالم، هناك بالتأكيد دروس واضحة من أول ضرورة زيادة الاهتمام بالخدمة الصحية والعاملين فيها، وحتى اتخاذ الصحة كصناعة قومية يمكنها زيادة القدرة على مقاومة الأمراض فى جانب، والإسهام فى زيادة الناتج المحلى الإجمالى فى جانب آخر.

لا داعى إلى تعجُّل العودة مرة أخرى لسياسات الإحلال محل الواردات، ونحن فى أول طريق التركيز على الصادرات المصرية، فالدول التى سبقتنا كانت سوقها العالم، فاخترقت سحبًا وحجبًا، وربما يكون الحل فى أن تكون السوق الإقليمية هى البديل. علينا التفكير دون تعجُّل فى كل الأحوال، وإذا كانت لدينا انتخابات قادمة، فلماذا لا يكون اختيار المرشح هو الأفكار التى تجعلنا نأخذ الحكمة الواسعة من الجائحة، وكيف ندفع الناس إلى الحفاظ على أنفسهم وأسرهم ووطنهم، وهو يواجه مجموعة كبيرة من التحديات الداخلية والخارجية الكبرى. ضَعوا الكمامات، وواصِلوا البناء، وواجِهوا الأعداء.

نقلاً عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات