عاجل

البث المباشر

عبد الله بشارة

كاتب ودبلوماسي كويتي ، وهوأول أمين عام لمجلس التعاون الخليجي

كاتب ودبلوماسي كويتي ، وهوأول أمين عام لمجلس التعاون الخليجي

الكويت ولبنان.. فساد السياسة وغرام الجوار

نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً يوم 12 يوليو الجاري، من مراسلها في لبنان، يصف فيه اللامعقول في صفوف المواطنين اللبنانيين من شح الدولار وتآكل الاقتصاد وتوهان القرار السياسي القيادي، وانهيار المنظومة الاقتصادية في بلد يتميز أهله بالخيال الخصب في المبادرات وفي الاقتحامية وفي التعامل مع معارك الحياة، والمواهب في ترويض الصعاب وتجاوزها. شاهدت لبنانيين في نيويورك هاربين من الحرب الأهلية في منتصف سبعينيات القرن الماضي يعملون في المطاعم وبيع ما يتوافر في شوارع المدينة بما فيها مشويات على الفحم، وبعد فترة تغيرت مواقعهم إلى الأفضل، وصار بائع السندويتشات في شوارعها يسوق «تاكسي»، فكل منهم يلاحق الأفضل. في الوقت نفسه شاهدت إيرانيين قادمين من إيران، حاملين أموالاً تلاشت بعد سنوات فانحدرت حياتهم وازدادت صعوبة. بين لبنان والكويت تجمعنا المعاناة من إسقاطات الأيديولوجيات العروبية، فسوريا مثل العراق تشربت في تأسيسها كدولة عروبية من غذاء الأيديولوجيا الوحدوية العروبية، ومثل العراق تنشط دبلوماسيتها بمفاهيم تتعالى على الدولة الوطنية العربية، وتطلق عليها الدولة القطرية، بما يوحي بعصرها القصير والمؤقت انتظاراً للالتحاق بالدولة المستقبلية العروبية الكبرى. جاءت هذه الأيديولوجية من ضباط وسياسيين عرب تصدوا للدولة العثمانية في نزعة لتحقيق استقلال الدولة العربية الجامعة، وقد حمل السياسيون العراقيون والسوريون الذين عملوا في الدولة العثمانية، سواء في الجيش أو في الإدارة، هذه الفلسفة إلى بلادهم في العراق وسوريا، لا سيما أعوان الملك فيصل في دمشق وبغداد، ومن هاتين العاصمتين وبدعم من بيروت، خرجت المدرسة الشامية الوحدوية بنظرة تتخطى الحدود المرسومة لكل دولة، وتسفه الانتماء القطري الوطني وتتغذى بالوجدان العروبي الشامل، وتشترك الكويت مع لبنان في المعاناة من هذا الطرح المبهج في التمنيات والمستحيل في الإنجازات. ومع حزب البعث السوري في الحكم، ارتفعت الشهية القومية السورية نحو رسم خريطة قومية لنهج الحكم في لبنان، بتشجيع من الصوت السني اللبناني الذي يجد في سوريا الرادع للتسيد المسيحي، كما سعى البعث العراقي عبر ادعاءات وهمية جغرافية وتاريخية لابتزاز الكويت ولي الذراع السياسية الكويتية للالتحاق بالنهج العراقي، وإذا كان لبنان تعذب من تواجد القوات السورية وغلاظة ضباطها، فمصيبة الكويت أشد قسوة وأبشع تبريراً وأسخف منطقاً، في الغزو المشؤوم بتدبير من صدام حسين زعيم حزب البعث العراقي، ساعياً لحشد الرأي العام العربي، ومبتهجاً بصرخات الغوغاء، ومتقمصاً الطلعة النابليونية، معلناً ضم الكويت لأملاكه وفاتحاً المدخل الخليجي للدولة العروبية الموحدة، عابثاً بالأمن العالمي، ومتحدياً الاستقرار الاقتصادي الدولي. ترافقت أزمات لبنان مع عضوية الكويت في مجلس الأمن عامي 1978 - 1979، في العدوان الإسرائيلي على الجنوب واتساع الاحتلال الإسرائيلي لإبعاد تواجد جيش منظمة التحرير عن الحدود، وكان السفير اللبناني في الأمم المتحدة المرحوم غسان التويني الإعلامي والسياسي المشهور، كان لاعباً سياسياً في لبنان، ومارس الشطارة نفسها في الأمم المتحدة، فلا مفر له من التنسيق معي كممثل الكويت في مجلس الأمن، لضمان تواجد الأمم المتحدة في الجنوب، وكانت هذه الخطوة الأمل الوحيد لوقف الفوضى في الجنوب، وكانت الاتصالات تتم مع الرئيس إلياس سركيس، ووزير الخارجية فؤاد بطرس. كان الواقع أكبر من قدرة سركيس وأعقد من حنكة وزير خارجيته، يوافق الرئيس على قرار لبنان بإرسال بعض قواته إلى الجنوب فينقل رئيس الوزراء ووزراؤه السنة هذا القرار السري لقيادات منظمة التحرير فتعلن الاستنفار ويفشل القرار وتوثق الأمم المتحدة اعتراف الرئيس سركيس بعجزه فيقول لا سلطة لي خارج مكتبي.. مترجياً من الأمم المتحدة أخذ القرار نيابة عنه. تحكمت التقسيمات الطائفية في لبنان، فأهل الجنوب وضعوا الثقة في حزب الله وفي السيد نبيه بري أكثر من ثقتهم بالجيش اللبناني، والرئيس الحالي الجنرال عون ليست له سلطة على قوات شركائه في الحكم - جيش حزب الله - فالحقيقة المؤلمة أنه مدين في دخوله إلى الرئاسة إلى سطوة حزب الله، المهم أن الأمم المتحدة أخرجت الفلسطينيين من الجنوب.. كان ذلك في القرن الماضي.. ما زال لبنان كما عاصرت مشاكله في مجلس الأمن في القرن الماضي، عاجزاً عن التوصل إلى توافق سياسي اجتماعي داخلي، ومن دون ذلك، تستمر الحيرة اللبنانية الجماعية الباحثة عن حلول من الخارج، ليس في السياسة فقط، وإنما في كل جوانب الحياة، وأبرز مثال على الشلل الحالي هو تأكيد صندوق النقد الدولي عجز لبنان عن توفير البيئة المناسبة للإصلاح الاقتصادي، فما زال نظام لبنان يفتقر إلى المصداقية سياسياً واقتصادياً، لا يملك القرار الغليظ الذي يخرجه من مشروع الشلل، ويظل زعماؤه يتبارزون بالكلمات ويتبادلون النعوتات بالعجز والتآمر، ويرمون اللوم على الآخرين، متهمين هؤلاء الآخرين بنقل حروبهم إلى تربة لبنان. ومهما كانت قوة الصرخة اللبنانية الباحثة عمن يسعفها، فليس من السهل الاطمئنان على قدرة لبنان على توفير الهمة الوطنية لقرارات ضرورية للإصلاح الاقتصادي، فلا يملك العزم للاقتراب أو الوصول إلى هدنة قد يعلو فيها التعقل لوقف الجروح، والتمعن في المسببات التي تغري هؤلاء الآخرين لاستغلال الفضاء اللبناني. ويعلم المسؤولون في لبنان بأن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أفضل أسلوب لتأمين المشاركة المالية سواء من الاتحاد الأوروبي أو من مجلس التعاون، لأن تواجد الهيئات العالمية يولد اقتناع المساهمين بأن لبنان عازم على الوصول إلى استحقاقات التأهل للمساعدة، وأن دروب هذه المساعدات آمنة ومضمونة بتأكيدات الصندوق الدولي. ولا بد لنا التذكير بأن قواعد العمل الاقتصادي لا علاقة لها بالتوجه الإحساني الخيري، فاللغة الاقتصادية هي أرقام وكسور وضمانات بعيداً عن الاعتبارات السياسية الرعوية.. كان لبنان في بيئته الثقافية مخزناً للفكر المستنير ومستودعاً للتنافس في الإبداع وفي السعي نحو المعرفة، وكانت إطلالاته على الحضارة الأوروبية هي المنافذ العابرة لتلقي المفاهيم العصرية في الفنون وفي السياسة وفي علم الدبلوماسية، ورغم توافرها لم تستفد المنظومة السياسية اللبنانية والعاملون فيها من خيرات هذا الثراء الفكري الانفتاحي، لأن نزعة التوجس والشك وآلام التاريخ أفشلت كل مساعي التفاهم لتحقيق وحدة وطنية لبنانية تصد محاولات الجوار ورغبات الطامعين في استغلال نعومة لبنان وتحويله إلى بقعة نفوذ لأهدافها من دون اعتبار للهوية والمنافع اللبنانية ـ وأهم شيء احترام سيادته. Volume 0% يستحق لبنان، لما له من مساهمات باهرة في التنوير والابتكار، أن يتمتع بوحدة وطنية شاملة، بدلاً من التشرذم الفئوي، وأن يسخر الطاقة اللبنانية للولاء للتراب اللبناني، بدلاً من الاستقواء بالتجمعات المسلحة المزروعة في خاصرته، لأهداف خارجية غير عابئة بالدمار والانهيار الذي جاء من علو سطوتها وغياب احترامها للسيادة اللبنانية.

*نقلاً عن صحيفة "القبس"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات