عاجل

البث المباشر

عبد المنعم سعيد

كاتب ومفكر مصري

كاتب ومفكر مصري

وظائف الفن والتاريخ فى الشأن العام

أعترف بأن عنوان هذا المقال ليس مما يناسب ذوق القارئ للصحف؛ وفيه بعض من السخف الأكاديمى لموضوعات تدعى الشمول ولكن نهايتها أنه ليس لها لا أول ولا آخر. ولكن، كما سوف نرى بعض قليل، فإن هناك ما يبرر هذا العنوان، وعلى أية حال فربما جاء قبل الانتهاء من كتابة المقال عنوان أفضل يحتوى على الرسالة المراد إرسالها وهى أن لكل أمر وظيفة ما، وفى تكامل الوظائف يكون هناك كيان وقدرة على فعل شأن عام أو خاص. ولتكون المسألة أكثر بساطة نعود إلى الإنسان فهو مكون من مجموعة من الوظائف لكل منها جهاز يقوم بعمل، فالقلب هو المضخة التى ترسل الدم إلى جميع أنحاء الجسد، والدم بدوره له وظيفة نقل الأكسجين إلى كل الأنحاء والأطراف بما فيها العقل الذى يقوم بوظيفة الإدارة للجسم كله من حيث الحركة واتخاذ القرارات بما فيها تلك العاطفية؛ وفى نفس الوقت فإن خلاياه تتولى مهام الدفاع عن الجسم من خلال كرات الدم البيضاء، والصفائح التى تقوم بإغلاق الجروح التى تلم بالإنسان.

هناك أعضاء فى الجسم لإدخال الغذاء والهواء، وأخرى لإخراج العرق من خلال المسام، وثالثة للسوائل والمواد الصلبة وهكذا أمور يعرفها كل إنسان وكل من هم فى الممالك الحية الأخرى. الإنسان هو فى النهاية مجمع للوظائف التى تعمل بشكل متناغم، لا تتقاتل ولا تتشابك إلا إذا كان بالإنسان مرض تختلط فيه الأمور ولا تنسجم. ولم يحدث فيما أعلم أن أيا من أعضاء الوظائف قام بالتدخل فى أعمال الأعضاء الأخرى، كل يقوم بوظيفته بدقة متناهية، وفى مجمع الوظائف وعملها الدقيق يعيش الإنسان حياته. نفس المسألة تنطبق على المجتمعات، وللتبسيط إذا أراد الإنسان الزواج فإنه بالضرورة لا يذهب إلى البنك، لأن هذا الأخير وظيفته هى إيداع الأموال واستثمارها، وإعطاء القروض لكى يقوم الفرد باستثمارها أو استخدامها؛ أما من يريد الزواج فإن عليه الذهاب إلى المأذون الذى لديه دفتر تسجيل الزواج تبعا للقواعد والقوانين المرعية. مرة أخرى فإن البنك لا يستطيع القيام بوظيفة المأذون ولا هذا الأخير يستطيع القيام بوظيفة الأول.

هذه مقدمة طالت أكثر مما ينبغى، ولكنها كانت ضرورية لأن مجتمعاتنا تعانى كثيرا من أولا عدم معرفة أو فهم وظائف مكونات المجتمع؛ وثانيا أن كثيرا من اختلافاتنا تدور حول هذا الموضوع لأننا نلقى على مكون ما وظيفة ليس مطالبا بها من الأصل، أو بمعنى آخر وظيفة ليس مؤهلا لها فى تصميم وجوده؛ وثالثا يصبح الأمر كله معقدا عندما يختلط الأمر بالدين والأخلاق فساعتها يصل الجميع إلى مناطق محرمة وتجاوزها قد يبيح القتل. الإنسان كما ذكرنا هو ذاته مكون من مجموعة وظائف من التفكير إلى الإخراج وما بينهما من اتصالات وأعصاب تنقل الرسائل من مكان أو عضو إلى آخر. هو يستقبل كما أنه يرسل، وهو يكون هذه الآلية من خلال مجموعات من المؤثرات تبدأ بالأسرة التى لها وظائف كثيرة أولها أن تنجب أولادها، وثانيها أن تعلم أولادها الكلام والمشى والتعلم، وثالثها الكثير من الآداب والتقاليد التى يأتى بعضها من الأسرة ولكن بعضها الآخر من المجتمع الذى له وظائف من بينها تحديد الأعياد ومتى يكون الأكل فيها حلوى، ومتى يكون لحما، وماذا يقول الناس ساعة دخول المكان والخروج منه وهكذا. هى أول عمليات التنشئة حتى تأتى مؤسسة أخرى هى المدرسة لكى تكون وظيفتها التعليم المنتظم الذى سوف يستغرق من الإنسان المعاصر ١٦ عاما، وربما ٢١ عاما إذا وصل الإنسان إلى الدكتوراه. وظيفة المدرسة العلم طبعا، ولكنها أيضا تشارك فى التقاليد والتفكير، وفيها يتعلم الإنسان كيف ينتسب إلى من يشاركونه المهنة.

الأسرة والمدرسة والنظم السياسية بما فيها من سلطات وأحزاب وجمعيات أهلية، والنظم الاقتصادية والاجتماعية بما فيها البنك والمأذون وشركة التأمين وشركات توظيف الأموال التى كان آفتها النصب لأنها قامت بوظيفة البنوك. هذه أعطتنا درسا قاسيا عندما قامت بوظيفة لم تكن أهلا لها، ولذا انتهت بمن قاموا بها إلى السجون ومن تعاملوا معها إلى الإفلاس. الدين ومؤسساته له وظيفة إرشاد الإنسان فى علاقاته مع الخالق القدير عن طريق الكلمة والموعظة الحسنة، وبعد ذلك فإن على الإنسان نفسه أن يقوم بوظيفة الإعمار فى الأرض، مقابل ما يحصل عليه من حالة السلام الداخلى الذى يجعله يقابل رب الكون وهو راض. الفنون والآداب لها وظائفها هى الأخرى لأنها كاشفة للحالة البشرية ومعبرة عنها فى حقيقتها التى يجرى تفسيرها والبحث عما هو معلن فيها وما يخفى حسب الزمان والمكان والعصر والمدرسة الفكرية. بشكل ما فإن وظيفتها أن تعكس لبصر الإنسان ما خفى عنه، أما بصيرته فإنها تتكون مما هو أكثر تعقيدا من الوظائف التى تأتى من الأسرة والمدرسة والحى والمدينة والقبيلة والوطن.

ما يفسد كثيرا من حياتنا تصور وظيفة أخلاقية مكانها الأسرة والمدرسة والمؤسسة الدينية، وليس الفن؛ فليس صحيحا أن مشاهدة شاب يدخن فى فيلم هى تشجيع على التدخين وإنما هى عكس لحقيقة وجود التدخين؛ وحدوث واقعة للتحرش فى تمثيلية لا يعنى تشجيعا على التحرش وإنما هو حكى لعلاقات اجتماعية بريئة ومنحرفة فى مجتمع ما وفى لحظة ما لها تعقيداتها التى يوفرها المؤلف والمخرج والمنتج. وللفنون فى العموم وجوه عدة، فمن الممكن أن يتم إنتاج أفلام عن فترات تاريخية مضت، بل إنه يعاد توقيعها فى المستقبل البعيد عندما يعاد تركيبها فى مجرة خارج مسار الأرض. ومن الممكن أن يكون هناك مسلسل عن الخديو إسماعيل وعلاقاته النسائية، وآخر عما قام به فى مصر من بناء للقاهرة الخديوية والترع والمصارف وحفر قناة السويس، وعن الديون وتجميل المدن وإقامتها على ضفاف القناة، وهكذا أمور. الحال كان كذلك بالنسبة لنابليون الذين شهدت الفنون والآداب على غزواته العاطفية، وغزوات زوجته جوزفين أيضا، جنبا إلى جنب مع غزواته العسكرية. توماس جيفرسون كتب وصور عن عشيقاته من جميع الألوان بما لا يقل عن مجده فى كتابة إعلان الاستقلال الأمريكى. الفن هنا ليس بالضرورة مسؤولا عن «الحقيقة» كلها أو بعض منها، وهو بالتأكيد ليس مسؤولا عما إذا كان الإنسان المشاهد سوف ينحرف أخلاقيا من سلوكيات الخديو النسائية، ولا يعتدل علميا فيشارك بقوة فى عملية بناء مصر. التاريخ هنا أيضا وظيفته الحقيقة التاريخية ودروسها وليس عما إذا كان الناس فى عصور سابقة يرتكبون جرائم العبودية والسخرة والاستبداد، ولكن عما إذا كان شخص ما قد قدم لتقدم البشرية ماديا أو معنويا أو علميا أو تكنولوجيا، والمحصلة من هذا أو ذاك تعطى دروسا يرفضها بعضنا فيريدون إزالة آثارها، أو يقبلها آخرون لأن ما بقى لنا كان تراكما عظيما. لا يوجد فى الأمر هنا شرف ولا هناك عار؛ فالإنسان فى النهاية يقوم بوظيفته التى أولها تحمل مسؤولية عصره وزمنه.

*نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات