عاجل

البث المباشر

د.إبراهيم النحاس

<p>كاتب ومحلل سياسي</p>

كاتب ومحلل سياسي

أيهما أشد خطراً: الإرهاب أم الخيانة؟!

إذا كان عقد المقارنة بين الإرهاب والخيانة يعطي الكثير من المؤشرات المهمة حول خطر كل منهما، إلا أن هذه المقارنة البسيطة جداً تعطي مؤشراً مهماً يتمثل في أن الخيانة تعتبر أشد خطراً وأكثر ضرراً على أمن المجتمعات ومستقبل النظم السياسية واستقرار الدول..

وهل يمكن الاختيار بين صِفتين تمثل كلاً منهما جريمة عظمى بحق المجتمع والوطن؟ قد يكون هذا التساؤل التعجبي غير منطقي وغير عقلاني عندما تتم المقارنة بين الإرهاب والخيانة بمعناهما السياسي والأمني؛ ولكن عندما يتم التعمق والتأمل والتفكر كثيراً بالمعنى الحقيقي والأثر السلبي لكل صفة من هاتين الصفتين، سوف يصبح هذا التساؤل أكثر منطقية وعقلانية وأشد وضوحاً لدى الفرد والمجتمع. وإذا كانت السنوات والعقود الماضية لم تفرض طرح ومناقشة مثل هذا التساؤل، على أقل تقدير إعلامياً، بالرغم من أهميته، فإن طرح مثل هذا التساؤل يعتبر غاية في الأهمية في وقتنا الحاضر خاصة عندما نرى أن الاستهداف السياسي والأمني والإعلامي للدول العربية الرئيسية ولأنظمتها السياسية المعتدلة، أصبح مُعلناً ومباشراً وصريحاً من داخل وخارج هذه الدول خلال العشر سنوات الأخيرة، وبشكل خاص منذ العام 2011م.

نعم، من المُتفق عليه بدايةً أن كل صفة من هاتين الصفتين المنبوذتين -الإرهاب والخيانة- تمثل جريمة كبرى بحق الفرد والمجتمع والوطن، ويستحق من يقوم بأي منهما أشد العقوبات؛ ولكن إن أردنا أن نتعمق ونتأمل ونتفكر في أي من هاتين الجريمتين تعتبر أشد خطورة وأكثر ضرراً على الأمن الوطني والاستقرار السياسي للدول، فقد نجد أن جريمة الخيانة تفوق في خطورتها كثيراً جريمة الإرهاب على قبحها. ففي حالة الإرهاب، يكون العُنصر الإرهابي مطارداً وغير متواجد داخل منظومة العمل الرسمي وغير عارف بما يتم التخطيط والإعداد له من أعمال، أما في حالة الخيانة فإن العنصر الخائن قد يكون متواجداً داخل منظومة العمل، وبإمكانه الاطلاع على المعلومات والخطط الموضوعة وتمريرها لأعداء الوطن سواء كانوا جماعات إرهابيةً أو دولاً معاديةً.

كذلك في حالة الإرهاب، يكون العنصر الإرهابي معروفاً بتوجهاته الفكرية والإيديولوجية، ومعروفة انتماءاته السياسية والتنظيمية والحزبية، ومعلوم إلى حد كبير دائرة تحركاته ومناطق عملياته، أما في حالة الخيانة، فإن العنصر الخائن لديه القدرة الكبيرة على إخفاء توجهاته وانتماءاته، ويستطيع بكل احترافية التعايش مع المحيط الذي يتواجد فيه من غير أن يشعر به أحد، ولديه الإمكانية في التواجد في الأماكن التي يود التواجد فيها داخل المكان الذي يعمل فيه. أيضاً في حالة الإرهاب، يكون العنصر الإرهابي غالباً أداة تنفيذ طيعة تحت إمرة الجماعة والتنظيم الذي ينتمي له ويوالي أفكاره وقادته، فهو في الغالب جاهل يسهل تسخيره وتسييره لخدمة الجماعة والتنظيم، أما في حالة الخيانة، فإن العنصر الخائن يستطيع تمرير المعلومات السرية لقادة الجماعات والتنظيمات الإرهابية للقيام بعمليات إرهابية في الوقت والمكان الذي يرى أنه مناسب لتنفيذها، ويستطيع تحذير الإرهابيين للهروب والتخفي من الاستهداف الأمني.

كذلك في حال الإرهاب، فإن العنصر الإرهابي أهدافه واضحة ومباشرة تتمثل في استهداف الآمنين من المدنيين واستهداف رجال الأمن وتفجير المباني المدنية، أما في حال الخيانة، فإن الخائن أهدافه كبيرة جداً أدناها زعزعة أمن وسلم واستقرار الوطن، وأعلاها إسقاط النظام السياسي وتدمير مؤسسات الدولة خدمةً للجهات المعادية لوطنه ودولته. وفي حال الإرهاب، فإن العنصر الإرهابي يعلن بوضوح ولاءه الفكري بحسب الحزب الذي ينتمي له ويقدم حياته خدمة لقادة التنظيم الذي يتبعه، أما في حال الخيانة، فإن الخائن لديه القدرة الكبيرة على التلون والتشكل والتبدل بحسب التوجهات العامة والسياسات المتبعة والخطط المستحدثة في المجتمع، وكل ذلك في سبيل البقاء في المكان لتمرير المعلومات لأعداء الوطن والتسويق لتوجهات وأفكار الجهات الخارجية التي يرتزق منها.

وإذا كان عقد المقارنة بين الإرهاب والخيانة يعطي الكثير من المؤشرات المهمة حول خطر كل منهما، إلا أن هذه المقارنة البسيطة جداً تعطي مؤشراً مهماً يتمثل في أن الخيانة تعتبر أشد خطراً وأكثر ضراراً على أمن المجتمعات ومستقبل النظم السياسية واستقرار الدول. فالخونة عُملاء للخارج يعملون بصمت ولسنوات طويلة يمررون خلالها معلومات وأسرار الوطن، ويعطلون الخطط التنموية والتطويرية والتحديثية، ويبثون الأخبار السلبية والشائعات التدميرية، ويهاجمون الطموحات والتطلعات المجتمعية والمستقبلية والبناءة للوطن، ويبررون أعمال المثبطين والمتطرفين ويسوقون شعاراتهم الهدامة، ويُضللون الرأي العام بالخطابات والشعارات العاطفية لإبعادهم عن وطنهم ولزعزعة ولاءاتهم الوطنية، ويسعون لتفتيت اللحمة الوطنية ببث الفتنة والفرقة والتحزبات بين أبناء المجتمعات المستقرة، ويعلمون على تشويه صورة الوطن وقادته أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. وإذا كان هذا جزءاً يسيراً جداً جداً مما يقوم به الخونة ضد أمن وسلم واستقرار وطنهم، فإن ضررهم يتضح بأنه أعظم بكثير مما يبدو للعامة لأن هؤلاء الخائنين لأوطانهم يعملون ليل نهار لهدم أسس وطنهم من الداخل، ويسعون بكل السُبل لتسليمه للأعداء في الخارج.

وفي الختام من الأهمية القول إن خيانة الوطن، ليست بالضرورة مقتصرة على أولئك الذين ارتضوا أن يكونوا عُملاء للخارج وهم يتولون مواقع وظيفية حساسة ومهمة، وإنما قد تكون كلمةً أو خطبةً أو شعاراً يهدف لتحريض الرأي العام ضد وطنهم، أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعية للطعن بالوطن واستهدافه بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق التسويق لسياسات ومنجزات وتوجهات وآراء أعداء الوطن، أو الاصطفاف والتعاطف المباشر وغير المباشر مع توجهات الجماعات والتنظيمات الإرهابية والدول المعادية للوطن، أو الاستهزاء بالمنجزات والإنجازات الوطنية بغرض ضرب اللحمة الوطنية وشق وحدة الصف، أو السعي لتشويه صورة الوطن وقادته أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. وإذا كانت الخيانة هي الأداة والوسيلة غير الظاهرة والخطيرة وبعيدة المدى التي تؤثر في الأمن والفكر والتوجهات والتطلعات والسياسات وتسعى لتنفيذ أهداف الأعداء التدميرية، فإن الإرهاب هو الأداة الظاهرة التي يعول عليها الخونة على المدى القصير لإشغال الأنظمة السياسية عن خططهم بعيدة المدى.

*نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات