عاجل

البث المباشر

إستقبال طبال المرشد وعقدة النقص في المقام

تعجبني تلك النادرة الشعبية عن غراب أراد ان يتعلم مشية الحجل فصار يمشي ويتعثر بشكل مثير للسخرية لأنه نسي كيف يمشي الغراب، ولم يتعلم مشية الحجل.

هذا الكلام ليس انتقاصاً من مشية الغراب، ولا مدحاً بمشية الحجل، فما يهم بالنهاية هو أنّ المشي أداة للوصول إلى هدف، وقد تكون جمالية الأسلوب في السير ممتعة للنظر، ولكن، حتى وإن كرج الحجل فقد لا يصل، وربما يتعثّر الغراب ومن بعدها يصل.

ما هو مهم هو ألّا تَتسبّب رشاقة الحجل بعقدة العظمة، ولا أن يدفع تعثر الغراب إلى عقدة نقص.

عالم النفس المعروف ألفرد ادلر، وصف حالة العظمة بأنها في الواقع ناجمة أساساً عن إحساس عميق النقص. أي أنّ عقدة النقص التي يجهد حاملها لتَخطّيها هي بالهروب إلى الأمام وإقناع نفسه بالتفوق أو القدرة الفائقة على حل الأمور مهما صعبت، فيقع في عقدة العظمة، والبعض يدعوها جنون العظمة.

والواقع هو أنّ إحساس المرء بالنقص، أو عدم القدرة، أو عدم المعرفة، هي كلها دوافع عند معظم البشر السليمي العقل، للعمل نحو علاج النقص وتدعيم القدرة وزيادة المعرفة. وما يحفظ التوازن هو ما سمّاه أرسطو بالوسط الذهبي، أي التوازن بين السعي إلى القدرة ومعرفة محدوديتها، وهو ما يساعد على التغلّب على عقدة النقص، وفي الوقت ذاته عدم الوقوع في عقدة العظمة.

أعتذر مجدداً عن مقدماتي الطويلة، لكن الشيء بالشيء يذكر. فما أوحى لي بكتابة هذا المقال هو متابعتي للرسائل المتكررة للبروفسور حسان دياب، ولن أبالغ إن قلت انّ ما يقوله، وعلى الأرجح ما سيقوله، لا يعبّر إلا عن العدمية المطلقة. ما أقصده بالعدمية هنا هو أنّ رئيس وزرائنا لم يتمكن من تجاوز عقدة النقص البنيوي في مسألة وصوله إلى مركزه، أي وصوله من دون قدرات ذاتية ليستحق موقعه، فهو مرهون بكل قراراته لرضى القوى التي أتت به لرئاسة الحكومة. ومع ذلك، فإنّ الفرصة النظرية واللحظة التاريخية كانتا متاحتين له ليسجل نقاطاً لم يتمكن غيره من تسجيلها، لأنّ الآخرين كانوا أيضاً مرهونين للتوازنات الدقيقة في نظام سياسي ليس فيه من الديموقراطية أيّ أثر حقيقي.

فالرجل، نظرياً، لديه الكثير ليكسبه، وربما ليس لديه ما يخسره، ومع ذلك فقد آثر القبول بالفرص الضائعة حتى الآن، ولو كان وقفَ وقفة عز لسَجّل نفسه في لائحة الشرف الوطنية، بأنه على الأقل حاول وسمّى الأشياء بأسمائها.

العدمية التي رأيتها في خطاباته هي بالذات في قسمات وجهه التي يتصنّع بها الجدية، ليظهر أنه مصمم وحازم ورجل دولة عن حق، أي محاولته إظهار ما ليس فيه، فليس لِمن قراره ليس بيده أن يقنع أحداً بمجرد استعراض قسمات الوجه.

لكنّ المهم الآخر هو المحتوى العدمي لخطاب فارغ حتى من المضمون. لم نسمع أي شيء عن كيفية معالجة الأزمات، وكل ما رأينا حتى الآن هو مشاريع خنفشارية لن تؤدي بحصيلتها الّا لمزيد من ضرب الواقع الإقتصادي ودفعه إلى العدمية الشمولية.

ما رأيناه هو تحول الحزم المصطنع والوعود البرّاقة إلى مجرد الشكوى التي تعلمها ممّن أتى به إلى موقع لا طائلة له بركوبه وهي «ما خَلّونا»، واتهام الآخرين بأنهم يعرقلون نجاحاته ويضعون سيلاً من المؤامرات في سبيل مجده. وهذا الكلام يؤكد أنه عاجز عن أي شيء، وإن كان من يقصدهم، ولا يجرؤ على تسميتهم، قادرين على منعه من الفعل، فهم على الأرجح إذاً قادرون على هذا الفعل. فكان عندها من الكرم بمكان أن يلجأ إليهم علناً لطلب المعونة، أو أن يعترف بعجزه ويترك الساحة للفاعلين، هذا إن وجدوا، ليحلّوا مكان العجز الذي استوطَن حتى سكن في مركز رئاسة الحكومة. فمشروع الحوار والمحادثات مع صندوق النقد الدولي أصبح في عالم الغيب، للأسباب التي أصبحت واضحة وهي عجز الحكومة عن تقديم ملف يقنع هذا الصندوق بأنّ المساعدة لن تذهب أدراج الرياح. وبكل موضوعية، فإنّ الملف أصبح فضيحة مُجلجلة سمّاها البعض «محاولة خديعة».

كل ما رأيناه في حركة البروفسور هو مجرد محاولات لتغطية النقص والعجز، بالمزيد من الهروب إلى الأمام بادّعاء القدرة وتصنّع الحزم. فمهما بالغنا في الهروب، يبقى الحل الواقعي والعملي الوحيد، كمدخل لبداية حلحلة الأزمة، سياسياً يتلخّص بإزاحة عبء المرشد الذي عيّن الرئيس دياب عن قرار الحكم.

الفضيحة اليوم هي لجوء البروفسور والأستاذ الجامعي، والذي تسبّب بعجزه عن العمل بإفلاس حتى المؤسسة التي كانت تأويه، إلى مدّاح المرشد وطبّاله، بعد أن ألّفَ له أنشودة لمهرج بمهرج آخر في بلاط السلطان. وما يثير القرف والغثيان هو تصريح المنشد الهزلي عن بطولات البروفسور التي تشبه مقامات الزير سالم، في مواجهة السفيرة الأميركية. هذه علامة إضافية على الدرك الوضيع الذي أوصَل به العديم الذي وقع في سل التين رئاسة الحكومة عندما يصبح الرداح المدّاح المطبّل المزمّر يصرّح عنه وعن بطولاته الوهمية. إن لم تستح فافعل ما شئت. الغراب غراب والحجل حجل.

*نقلا عن "الجمهورية"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات