عاجل

البث المباشر

محنة الزَّهراء.. مع دول وميليشيات

إنها محنةٌ، عندما تُستغل أسماء أئمة وأولياء لأغراض سياسية وقتالية، وقد أتينا، مِن قبل، على محن أئمة الفقه مع جماعات تمارس فقههم، تَرفعُ أسماءهم عناوينَ، نُشرت على صفحات «الاتحاد». ما يخص السَّيدة فاطمة الزَّهراء (ت11هجرية)، تشكلت باسمها الدَّولة الفاطمية بالقيروان ومصر (258-567هجرية)، وتعاقب على الحكم منهم أربعة عشر خليفةً، أولهم عبيد الله وآخرهم العاضد بالله، جاء ذكرهم بالفاطميين عند ابن عبد ربَّه (ت328هجرية) في «العقد الفريد»، والقاضي التَّنوخي (ت384هجرية) في «نشوار المحاضرة».
اتخذوا هذا الاسم على أن مؤسسهم مِن أولاد إسماعيل بن جعفر الصَّادق، وقصروا اسم «الشَّريف» على ذرية الحسن والحُسين (المقريزي، البيان والإعراب بأرض مصر مِن الأعراب). اعتبروا أنفسهم الخلفاء الشرعيين، حتى أن امرأة كانت تزجل في مواسم الأعياد بمصر بالشَّرعيَّة الفاطمية: «يا بني العباس ردّوا/مُلك الآمر معد/ملككم مُلك معارٌ/ والعواري تستردٌ» (المقريزي، المواعظ والاعتبار). كان «الآمر معد» خليفتهم الثَّالث المعزُّ لدين الله (ت365هجرية).
لكن ما علاقة السَّيدة فاطمة الزَّهراء بدولة لها وما عليها، وما حدث فيها مِن مظالم، كبقية الدُّول، ودخلت في حروب مع دول كانت تتخذ مِن أبناء فاطمة أيضاً عقيدةً لشرعيتها، مثل الحمدانيين والبويهيين، وحركة القرامطة، وما نشأ عن الفاطميين مِن جماعة الحسن الصَّبّاح (ت518هجرية)، التي اعتمدت الاغتيالات طريقاً. فماذا يتحمل اسم الزَّهراء مِن ممارسات تلك الجماعات؟!
أنشأ الفاطميون جامع الأزهر، نسبة إلى الزَّهراء، وقد لمح معمر القذافي (قُتل2011) إلى العودة للفاطمية كمناكفة لدول ومجاملة لدولة أخرى، وأتى بالأزهر دليلاً، لكن القذافي غيب موسى الصَّدر (1978)، وهو ابن الزهراء، حسب المعروف مِن الأنساب، ومقترباً مِن نظام يدعي الشرعية مِن حفيها المنتظر.
انعكس الغلو المصحوب بالسياسة على العامة، مثلما يحدث اليوم مِن أوهام النّاس، فقد تكاثر العام (340هجرية) أصحاب الحلول، أي حلول شخصيات مقدسة فيهم، منها أعلنت امرأة أن روح الزهراء قد حلت فيها (ابن الأثير، الكامل في التَّاريخ)، واليوم يخرج معمم ليقول كلمتني الزَّهراء وطلبت مني أن أفعل كذا وكذا! فما يحصل اليوم مِن التمادي في الجهل يستحضر الماضي بقوة.
اعتمد الفاطميون اسمها، في حركتهم، على اعتبار أن عبيد الله (ت298هجرية) هو حفيدها المهدي المنتظر. غير أن محضراً يقدح بصلة الفاطميين بنسل الزَّهراء يصدر في العهد البويهي ببغداد (402هجرية)، ويشهد فيه المرتضى والرضي وأستاذهما الشَّيخ المفيد، أعلام الإمامية آنذاك (ابن الأثير)، بينما يثبت النَّسب ابن خلدون، معتبراً محضر القدح «مِن الأخبار الواهيَّة» (المقدمة).
يؤكد هذا، أن المذاهب ليست الأساس في تحديد السياسات، إنها عبرة لما يجري اليوم مِن تغالب مذهبي، مبني على المصالح واستغلال النَّاس بالعقيدة، تُزج فيه المذاهب طائفياً بلا وجهة حقٍّ!
بعد الدولة، للزهراء محنتها مع ميليشيات، مثل «لواء فاطميون»، تشكل مِن الأفغان، وشعارهم «فاطميون وسط بندقيتين»، أُعلن العام (2013)، وضمنه لواء «زينبيون»، تشكل مِن الهزارة بباكستان، انفصلوا عن «فاطميون» بلوائهم الخاص (2015). بينما لا لفاطمة دولة قديماً، ولا حاضراً ميليشيا، ولا لابنتها لواء يُقاتل باسمها، بشعار «أتيناك يا زينب».
كذلك شاع، في بداية عقد الستينيات، خبر «الحزب الفاطمي» بالعراق، حسب وثائق أجنبية (العقيلي، بريطانيا ولعبة السُّلطة في العراق)، لكن ثبت أن وجود هذا الحزب مجرد إشاعة لها بُعد سياسي مِن السلطة أو مِن الإسلاميين أنفسهم.
ليست قضية إذا اعتقدت النَّاس بضريح، أو مقام، لكن الخطير أن يتحول الاسم الذي يجله المسلمون كافة، راية لدولة وميليشيا، والمصلحة تتطلب أنه لو خرجت فاطمة الزَّهراء نفسها وقالت: لستُ حكومة ولا ميليشيا، لقالوا لها: «أنتِ لستِ أنتِ»، ولكم تقدير المحنة في السِّياسة، عندما تتدثر بالمقدس، وتضطهد وتقود النَّاس به؟ فلم تُستغل رايةٌ، على مرَّ التَّاريخ، سياسياً كرايةِ بيت النّبوة.
يقول الفضل بن العباس بن عتيبة بن أبي لهب المعروف باللَّهبي (ت95هجرية) لمن رفع تلك الرّاَيةَ وغنم بها الحُكم: «بنا دانَ العبادُ لكم وأمسوا/يسوسهم الرَّكيكُ مِن الرِّجالِ» (الأنباري، الزَّاهر في معاني كلمات النَّاس). هذا، والبيت يوفر على الباحث كتباً في استغلال الدِّين سياسياً.

*نقلا عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات