عاجل

البث المباشر

الصالون الثقافي.. صالون النهضة (3)

دور حركة النهضة في بعثِ أدب عربيّ حديث:

سردنا في المقال السابق يا سادتي أن الفترة الممتدة بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت نهضة ثقافية وعلمية جبّارة امتدت أشعتها إلى لبنان، سوريا، وبلاد المغرب العربي وكانت تحمل في طياتها مسميات مختلفة من بينها: النهضة العربيّة، حركة التنوير، اليقظة العربيّة، حركة الاستنارة، إلخ. وكان لهذه الحركة التي انطلقت شرارتها من صالون الأميرة نازلي بمصر من جهة، وعبر التماس المعرفيّ بين لبنان وبلاد الغرب عبر المدارس الرهبانية والحملات العلميّة من جهة أخرى دور رئيس وبارز في الارتقاء بالموروث العربيّ لا سيما اللغة وأدواتها وصناعتها إلى سماوات العصرنة والاستنارة. وكانت قطوفها الدانية الأولى هي ولادة أول أدب عربيّ معاصر ألف أفئدة الأمّة العربيّة تحت سقف واحد فاشتعلت نيرانه المضطرمة الباحثة عن الذات في قلوب الجماهير فساقتهم إلى سبيل البلاغة وسراط الحداثة ونهج الوطنية والعصرنة التي افتقدتها القرون الطوال. للأسف ما كان لهذه الحركة أن تأفل ولهذا الإشعاع أن ينطفئ مع بدايات الحرب العالمية الأولى ودعم ذاك الحراك الرجعي صلف الدول الاستعماريّة التي سلكت طريقها لا تلوي على شيء إلا وتكبل الحريّات، تهضم الحقوق وتسلب خيرات البلاد في كل لمحة ونفس. عمدت قوى الاستعمار في كثير من البلاد إلى القتل الممنهج والنفي التعسفي والاستعباد المستدام وكان لذلك أثر بالغ في وأد ذاك البصيص الوامض الذي انتجته حركة التنوير في بلاد العرب. فاضطرت الشعوب أن تتجه إلى النضال بكل أنواعه وأشكاله والمثابرة الدؤوبة في أن تجد لقمة الحريّة الكريمة وجرعة الكرامة الشريفة لها ولأبنائها. لكن رغم ذلك وحتى قبل أن تخمد أنواؤها تماما ويأفل نجمها ويتلاشى، نجدها هنا وهناك قد بثّت في قلوب الحادبين صوتا ينادي بمواصلة طريق نهضة حقّة ورقي الشعوب العربيّة تحت أجواء يحفها شغف المعرفة إلى العلم والاستنارة وظمأ نحو حياة أفضل، فساهمت رغم الصعاب في بعثِ مشاعر هويّة عربية مستجدة واضعة وقتئذ بعد لأي علاقة دول الوطن العربية المتباينة بالدولة العثمانية تحت المجهر وقيد البحث والنقاش.

يمكن عزو نجاح حركة التنوير العربيّة في تحويل مسار الأدب العربي من المكرور إلى المعصرن ظهور دور الإعلام لا سيما الصحافة بوتيرة ونمط كتابيّ غير مألوف حتى تلك الحقبة، إذ اتسم بالواقعية الثابتة بأخمص قدميها على أرض الحقيقة، مما دعا الأدباء والمفكرين إلى العزف عن تقليد الأنماط القديمة المزخرفة المنمقة والخروج بها إلى أنماط تواكب روح العصر، فنشأ فن المقالة الذي كان حتى تلك الفترة ابتداعا غربيّا، وكل ذلك من أجل جزالة الأسلوب ودقة المضمون في أن تصل الرسالة مباشرة دون مغالاة أو تكلف أو قشور. حقيقة يا سادتي نجدها أنماطا حفتها البساطة والأفقية الإيجابية في السرد والمنطق، ولم يسلب ذلك من جزالتها، رصانتها وعمقها السيميائي شيئا. حينئذ تعلم القراء مواكبة تلك الصيحة وأدركوا ماهية التذوق لهذا اللون الجديد، وجاءت صحيفة الأهرام (١٨٧٥) كأولى الصحف موثقة للمقالات وناشرة للمداخلات الحديثة، فساعدت دون أدنى شك في نشر وإنتاج هذا اللون من الخطاب الصحفيّ الحديث.

الثورة الفرنسيّة كأنموذج للنضال:

نجد أن روّاد النهضة مثال محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين وغيرهم من الشعراء والأدباء قد انتهجوا في نضالهم منهاج الثورة الفرنسيّة فقاموا برفع شعارات النضال وحمل رايات الاصطدام ضد صلف المستعمر مستلهمة إيّاها من بواكير انطلاقة الثورة الفرنسيّة التي نادت في شعاراتها المعروفة بالحرية، المساواة والأخوة. لقد أثرت الحملات العلميّة التي تضمنت الرواد والتي اتجهت صوب بلاد الجن والملائكة (فرنسا) من جهة، وتماس أولئك الأدباء والمفكرين الذين لم يحظوا بالدراسة فيها لكنهم عرفوا الآداب والفلسفة الفرنسية خير معرفة من جهة أخرى، المحصول المعرفيّ في ترقية ذواتهم وتذوقهم خير رُقيّ. نجدهم قد تأثروا في هذا وذاك بروّاد وفلاسفة عصر الأنوار الذي كان ملهما لهم في وقفاتهم الجريئة ضد السلطات العثمانيّة كقوة معارضة ضاربة لا يستهان بها. فجاء دور الروّاد في تحريك عجلة المعرفة بكل ركن من أركان البلاد، حيث بدأت دور العلم والتعليم في الانتشار، وأنشئت الجامعات والمعاهد العليا، وانطلقت مرحلة لتأسيس دور الرأي العام، في الصحافة والإذاعة وشهدت تلك الفترة مشاريع اقتصادية بالغة الأهميّة فتمّ حفر قناة السويس وازدهرت العمارة الفريدة على نهج مدن فرنسا ماثلة في الميادين والساحات التاريخيّة المعروفة بمصر والتي تقف إلى الآن شاهدًا على تلك الحقبة "الجهنميّة" كما هي الحال في ميدان طلعت حرب وميدان التحرير وميدان العتبة والموسكي، الخ.

حركات الإصلاح الإسلاميّ:

إن فكر الإصلاح الدينيّ أو اليقظة الدينيّة هو نتاج النهضة التي تربى على فكرها الروّاد فلم يمنع الفكر والمنطق التوعوي من التماس بين الدين وشتى المجالات الأخرى، الاقتصادية، الاجتماعيّة والتربوية فأولت حينئذ الاهتمام لقضايا الساعة السياسيّة من منظار الدين الحنيف والمنطق الصائب، فنجد تداخل هذه المجالات بعضها بعضا سلسلا وبيّنا في خطاب الإصلاح الديني.

فجاءت حركة الإصلاح الإسلاميّ بطبيعة الحال مصاحبة لحركة التنوير. فقام الروّاد إذ ذاك بانقلابات إصلاحيّة جبّارة، على سبيل المثال لا الحصر، حركة تحرير المرأة التي قام بها قاسم أمين استنادًا للمراجع والسنة الحنيفة مخالفا للقشور، الحشو، العرف البالي والعادة البغيضة التي سلقت عليها الأمّة وقتذاك والتي كان هو أحد أعمدتها قبل أن يستنير. فنادت الحركة بتوحيد صف المسلمين في كل بلاد الأرض وتخليص السنّة النبويّة والدين عامة مما علق به من خرافات، بدع، قشور وشوائب كانت نتيجة لخفقات البشر على مر العصور وبراثن الغلو الأرثوذكسي السلفي. وفوق هذا وذاك جاء صوت حركة الإصلاح الإسلامي منادياً بالجهاد ضد المستعمر وانبعث حينئذ روح الوطنيّة بين الشعوب، شيء لم تعرفه البتّة إلى تلك الفترة، فساهمت دؤوبة بترسيخ قيم الوطنية بين أفراد الشعب الواحد، وتوسيع الرقعة على نطاق العالم العربي والإسلامي، منادية بغرس حب الارتقاء الذاتي للفرد وتطوير أبجديات الحياة اليومية له، عبر التعليم والصحة وإتاحة سبل المعرفة والتنوير. فرسخ العلم بعد الجهل، وشاع النور بعد الظلام وعمّت المعرفة وغمر ضياؤها حتى طبقات الشعب الدنيا من العمال والفلاحيين وصار أحد أعمدة النضال وحركة التحرير في مصر أحد هؤلاء الفلاحين الذي ذاق نعمة الإنسانيّة في صالون الأميرة نازلي وما كان منه إلا أن نادى بها لكل فرد من أفراد شعبه بل على مستوى الأمّة العربيّة. وكان له الفضل في إطلاق أول حركة تحرريّة كانت الأقوى في زلزلة عرش البلاط الملكي إذ ذاك.

وتزامنت حركة النهضة التي ولّدت الصحوة الإسلاميّة في حقبة خطرة وصعبة زلزلت عرش الدولة العثمانيّة الذي دام لقرون طوال فبدأت حينئذ في مرحلة تدهور وانزلاق غير مسبوقين مما أدى إلى تجزئتها وانفصالها إلى دويلات متشرذمة هنا وهناك مما حثّ الدول الغربية الكبرى آنذاك على تحقيق مطامعها الاستعماريّة وللتدخل واستبدال رجل أوروبا المريض! حاول السلطان عبد الحميد حينها إنقاذ المأزق الذي دخلت به الدولة والخروج بها إلى بر الأمان فجاءت مبادراته تجاه الدول الإسلامية منادية بالوحدة والاصطفاف ضد العدو الغربيّ طالبا بطريقة غير مباشرة اتخاذه أميرًا للمسلمين وحامياً للإسلام وأن يكون بمثابة الأب الروحي حتى تسترجع كل الدول أراضيها من الدول الاستعمارية.

أهمية حركة الترجمة والنقل في حراك النهضة المعرفي:

نشطت حركة الترجمة والنقل من اللغات الأخرى لا سيما الفرنسيّة والإنجليزيّة بمصر وسوريا ولبنان والسودان والأردن والعراق. وأسس رفاعة رافع الطهطاوي في هذا الإطار مدرسة الألسن في مصر وعكف بطرس البستاني وآخرون من ناحية أخرى على إنعاش حركة نقل المعارف الغربية إلى لبنان، فكانا من روّاد هذه النهضة الجبّارة إذ رفعا حينئذ ومعهما آخرون شعارات جليلة وإنسانيّة عرفت على شاكلة شعار البستاني "حبّ الوطن من الإيمان"، فترجموا ونقلوا الكثير الوافر من العلوم والآداب وغيرها من "اللغة الأصل" وأنتجوا منها تحفا أدبية إلى "اللغة الهدف" ونجدها عند التمعن - دون مغالاة - كأنها أصل، يحسب الفرد منّا أنها لم تكتب من قبل إلا بلغة الضاد.

وفي تلك الفترة انتعشت حركة الاقتصاد في الدول العربيّة، وشهدت بعض الموانئ العربية والمدن طفرة اقتصادية غير مسبوقة فعاشت افتتاح بنوك فرنسيّة وإنجليزيّة، وتصدير منتجات زراعيّة وصناعيّة إلى كل أنحاء العالم. ومن جهة أخرى بدأت في المجال السياسيّ التجمعات والأحزاب السياسية بالخروج من خلف الكواليس من أجل العمل الثوري والوطني على أرض الواقع. فأنشئت المكتبات في سوريا ولبنان ومصر وبلاد المغرب العربيّ وبدأت جمعيات الفنون المسرحيّة والتشكيلية في العمل مدعومة من الرواد ومن دور العلم التي درسوا بها. ومن بعد أنشئت مجامع اللغة العربية والجامعات في دمشق والقاهرة وبيروت وكانت حركة الرابطة القلميّة التي وُلدت على يد أحد رجال الدين المسيحي عبد المسيح حدّاد هي المسؤولة في تأسيس مجمع اللغة العربيّة. وجاءت الشجرة أكلها وأنتجت ثمار النهضة عمالقة لا يشق لهم غبار، فبرز في مجال الأدب العربيّ جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، ميّ زيادة وغيرهم مثال بطرس البستانيّ، مصطفى لطفي المنفلوطيّ، محمد البشير الإبراهيميّ، حمزة شحاتة، عباس محمود العقاد، أحمد لُطفي السّيد، العربي التبسي، الفضيل الورتيلاني، جمال الدين الأفغانيّ، عبد الحميد بن باديس، عبد الرّحمن الكواكبيّ، شيلي شميل، نيقولا حدّاد، أبو راس النّاصري والإمام محمد عبدُه.

عصر النهضة الأوروبيّ وأثره:

عاشت أوروبا ابتداءً من القرن الرابع عشر حراكا دون سابق، خلق عصر نهضة جبّارة في دهاليزها المظلمة وأتاح الفرصة لنمو نموذج إنسان جديد، عصري، مترع بالهناء ومغدق بالرفاهيّة. أطلق ذاك العصر نقلة اجتماعيّة، اقتصاديّه، علميّة، تقنيّة، دينيّة وثقافية تبحث على مجرى حقب التاريخ عن مثيل، فما كان من ذاك العصر إلا أن أنجب في مجال الفنون مثلا عمالقة من التشكيليين العالميين، مثال ليوناردو دافنشي، مايكل أنجلو فحققوا مع المفكرين والفلاسفة مثال ديدرو حركة ثقافية جبارة وأمنية لكل فرد من أفراد شعوبهم ضد التسلط الديني وأن أمنية كل فرد منهم كانت الابتعاد عن الإيمان الإجباري الزائف والقيود المنبثقة منه تحت تسلط الكنسيّة التي جعلت حينذاك من البشر عبيدا ليس إلا. ذهبوا في غمرتهم تلك يتقصون الحقيقة الغائبة وماهية الأشياء، ليروها ماثلة أمام أعينهم انطلاقا من منطق العلم والمعرفة وأن الناس سواسية أمام الربّ وقانونه الإلاهيّ.

وبنفس الطريقة تتكاثر هذه السنوات بالوطن العربي ندوات البحث عن الحقيقة والطرق السديدة التي ربما تخلع وتخلص الإنسان العربي من غياهب الجهل ودهاليز الركود لتسوقه مخرجة له من الظلمات إلى النور. ورغم ذلك نجد الاضطرابات الدينية والسياسية تأخذ في هذا وذاك حيزا كبيرا بل حظ الأسد فتظل قضية الرسالة الحضارية المرجوة في دفع عجلة النهضة في أنحاء الوطن العربي حلما فاترا ودون أي محاولات جادة اللهم إلا هنا وهناك فالمملكة العربية السعودية بدأت منذ بضع سنوات عجاف في العمل الجاد في هذا الطريق وسارت فيه بخطى ثابتة وأيضا دول الخليج والمملكة المغربية وتونس عموما وسوف تؤتي هذه الأعمال ثمارها بإذن الله.

خاتمة:

نعيش اليوم عهد ما بعد الاستعمار الغربيّ ورغم ذلك تظل بعض دولنا مستعمرة من بنيها وحال العرب في معظم الدول يسوء يوما تلو الآخر وهو حتما أسوأ بكثير من عصر الاستعمار إن لم أغالِ. فماذا بعد الأصوليّة والشوفينيّة الدينيّة البغيضة التي غيرت معالم الوطن العربيّ وقلبت موازين الحياة فيه رأسا على عقب؟! ماذا بعد داعش وبوكو حرام وحركات التكفير والتهجير والتنكير في كل البقاع وعلى صهوات منابر مساجدنا القابعة على أنفساها القرون الطوال؟ لابد لنا يا سادتي أن نعي الدروس للخروج من المأزق، ولا بد لنا أن نسجل في دفاتر ذاكرتنا الجمعيّة وفي مخيلاتنا الإنسانيّة قضايا كثيرة منها على سبيل المثال تقويم الوضع واستقامة الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، وأن نُرجع البصر لنرى هل من فطور ونَرجع إلى التفكير والتدبر والعمل الجاد في البحث العلميّ وفي العلاقة الوثيقة بين الدين والدولة ومن ثمّة علاقتنا نحن العرب ودورنا في المنظومة العالميّة؛ لنقل في الآخر: ما هو مشروعنا الحضاري الذي سنقدمه للعالم أجمع؟

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات