عاجل

البث المباشر

إميل أمين

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

دروس من التاريخ.. الحضارة معنى ومبنى

في الأوقات التي تدلهم فيها الخطوب، ويشعر المرء بحالة من حالات القلق النفسي، عادة تميل النفس البشرية إلى الهروب من الواقع بآلامه إلى الماضي الفسيح برؤاه الواسعة.

في الأيام القليلة الماضية كانت العودة إلى "ويل ديورانت"، الفيلسوف والمؤرخ والكاتب الأميركي الأشهر، وصاحب واحدة من أهم الموسوعات الإنسانية في تاريخ البشرية " قصة الجضارة".

الهرب إلى ويل ديورانت هدفه الرئيس محاولة فهم أبعاد النفس البشرية، لا سيما في أزمنة الغلو والتطرف الإمبراطوري، ونشوء وارتقاء الأقطاب العالمية من جديد، ناهيك عن ظهور الحركات القومية، وتنامي النزعات اليمينية العنصرية، الأمر الذي يهدد بحروب عالمية، لن تبقي ولن تذر هذه المرة، ذلك أنها لن تستغرق ساعات طوال، ومع ذلك ستكون خسائرها لا قدر الله أفدح مرات مضاعفة مما جرى في زمن الحرب العالمية الأولى والثانية معا.

في مؤلفه الأخير والمعنون "دروس من التاريخ"، يضعنا ديورانت أمام حقائق من التاريخ، ويبسط أمامنا مساحات من الجغرافيا تعود إلى آلاف وربما ملايين السنين لعل إنسان العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين يتعظ.

يخبرنا ديورانت ان هناك حضارات تدفن تحت الرمال فقط لعدم هطول امطار كافية كما حدث في وسط آسيا، او تنغمر وسط الغابات اذا هطلت امطار غزيرة كما الحال في وسط أميركا.

حين اخرج ديورانت مؤلفه هذا لم تكن الازمة الايكولوجية العالمية قد تفشت على النحو الذي نراه الان، ومع ذلك فقد استشرف هذا المفكر الكبير مآلات العالم، فقال: "ستنتكس منطقتنا المزدهرة وتعود إلى حالة البدائية والكسل إذا ارتفعت درجة الحرارة عشرين درجة".

المنطقة المزدهرة كان ديورانت يقصد بها الكرة الارضية برمتها، والتي دخلت اليوم بالفعل في دائرة الاحتباس الحراري القاتل الذين سيبيد الزرع والضرع، وعوضا عن ان تتكاتف الانسانية معا لمواجهة الهول الاكبر القائم والقادم، ها نحن نرى صراع التسلح يتكرر من جديد، بل ان الاسلحة التي تتوافر اليوم لدى القوى العظمى، اشد فتكا من تلك التي كانت متوافرة في وقت الحرب الباردة بين حلفي الناتو ووارسو، ولا مجال للمقارنة مع تلك التي استخدمت في زمن الحرب العالمية الثانية .

لماذا لم يتعلم الانسان الدروس أو ياخذ العبر من كتاب التاريخ؟

يضعنا المؤلف الأميركي الكبير امام مقاربة مثيرة قولا وفعلا، وهي ان تاريخ البشرية محصور في نقطة ضيقة جدا من الفضاء، واول درس يعلمنا اياه التاريخ – او هكذا ينبغي ان يكون –هو التواضع ...لماذا؟

باختصار غير مخل لانه يمكن في أي لحظة ان يقترب مذنب من الارض، ويلقي بكوكبنا الصغير ليتراقص بعشوائية في مسار عنيف، او يخنقنا ويملا كوكبنا دخانا او نارا.

يمكن كذلك وفي أي لحظة ان تقذف شمسنا المبتسمة قطعة مندفعة في اتجاه دورانها – كما يعتقد البعض ان كوكبنا نشأ منذ لحظات من عمر الكون – وتقع علينا هذه القطعة منهية كل الآلام والاحزان.

هل ما تحدث به " ديورانت " الذي رحل عن عالمنا العام 1981 عن ستة وتسعين سنة من البحث والدرس، الحكمة والفلسفة، حقيقي ام انها كانت أفكار فيلسوف في برج عاجي؟

يدهش المرء من القيادات العالمية التي تعرف حقيقة تلك المعلومات بل الاسوأ منها، ولا توجه مع ذلك بحثها العلمي من اجل تطوير ادوات تستطيع البشرية من خلالها تجنب القدر القادم لا محالة.

والشاهد ان العارفين ببواطن امور الفضاء، وفي المقدمة منهم علماء وكالة الفضاء الأميركية ناسا، وكذا اقرانهم في الوكالات الروسية والاوربية، لم يعد سؤالهم الذي يقض مضاجعهم هو: "هل يمكن ان يضرب نيازك الارض، بل بات متى سيضرب النيازك الارض، واضحى الامر قدر مقدور في زمن منظور؟

في العام 1998 كان صاحب هذه السطور يتناول صحيفة النيويورك تايمز، سائرا بين ناطحات السحاب في حي مانهاتن الهادر الثائر طوال اربع وعشرين ساعة، وقد هاله على الصفحة الاولى قصة لوكالة الفضاء الأميركية الاشهر، ناسا، وفيها انباء مريعة عن كويكب سوف يصطدم حكما بالكرة الارضية العام 2028، كفيل بالقضاء على الحضارة الانسانية سيما وانه يعادل المئات من القنابل النووية.

كان الخبر بمثابة قنبلة فراغية هائلة، كادت ان تصيب الحياة في الداخل الأميركي، وفي بقية ارجاء العالم بذعر رهيب، لولا ان اليوم التالي كان قد شهد تكذيبا واضحا للنبا، وان لم ينطلِ التكذيب على الراي العام.

الهدف من القصة برمتها هو وضع البشرية امام حقيقتها، ووضع القيادات العالمية الساعية في طريق الحروب والترسانات النووية برا وبحرا وجوا امام معادلة الفناء التي يمكن ان تحدث في لحظات لتحيل الارض ومن عليها إلى حفريات.

ديورانت يذكرنا بان "البشر لا الارض هي التي تصنع الحضارات"، والتاريخ يحفظ لنا ان هناك من القادة من سار في طريق حضارات الحياة والتنمية، وخدمة الانسانية، وهناك من عرج على دروب الموت والفناء، وابادة البشر .

وعلى الرغم من هذا كله يبقى الانسان هو اثمن عطية للخالق على سطح الكوكب الازرق، والدليل على ذلك ما يقوله الفيلسوف الفرنسي الاشهر ،" بليز باسكال "، الرجل الذي ينظر اليه حتى الساعة اوربيا وانسانيا بعين القداسة، من ان " عندما يحطمه العالم، سيظل الانسان انبل من العالم الذي قتله، لانه يعلم بمقتله وهذا شرفه، ذلك ان الكون لا يعلم شيئا".

ما قصده باسكال هنا هو ان الانسان يمتلك الثلاثي غير الموجود في الكون، يمتلك العقل المدرك، والذاكرة الواعية، والارادة الخلاقة، هذا الثلاثي كفيل حال تم تفعيله بشكل انسانوي على ان ينقذ الانسانية من وهدتها الحالية .
هنا يعن لنا ان نتساءل: "هل تفشي فيروس كورونا فرصة ذهبية لان تسترد الانسانية معنى ومبنى الحضارة؟

يخشى المرء ان تكون هذه الجائحة على بشاعتها، فرصة ضائعة اخرى ضمن فرص جرت بها المقادير في العقود الثلاثة الماضية لتقويم الاعوجاج الذي اصاب الانسانية برمتها .

في نهاية ثمانينات القرن الماضي، اعتبر الكثيرون شرقا وغربا ان سقوط جدار برلين، وانتهاء زمن الحرب الباردة، علامة على مولد عالم جديد، خلف وراءه القتال والتشارع والتنازع، وطرح واخذ باسباب التعاون الدولي وبناء الجسور بين البشر.

غير ان الحلم تبخر، واكتشف الجميع انه كان سرابا، بل لربما تسوء الاوضاع عما قريب بعد ان تعددت الاقطاب، ويكاد العالم يتشظى من جديد، بين شرق اسيوي وغرب اوروبي – أميركي، وما بينهما تبقى احتمالات المقدرة الحقيقية على بناء حضارة انسانية امرا مشكوكا فيه.

هل هذه دعوة للياس والاحباط؟
في كل الاحوال، يبقى تعبير المثقف العضوي الايطالي الشهير "انطونيو غرامشي"، حاضرا... "في مواجهة تشاؤم العقل، يبقى تفاؤل الارادة".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات